Yahoo!

 

 نسيم الصالحين


أمــــا بعــــد ..!

كتبها المحتسب زاوي ، في 12 فبراير 2012 الساعة: 23:15 م

 بسم الله الرحمن الرحيم

أمــــا بعــــد ..!

الحمد لله:

أحمده تعالى على جزيل إنعامه وإفْضاله ، وأشكره على جليلِ إحسانه ونواله ، وله الحمدُ على أسمائهِ الحسنى وصفاتِ كمالهِ ونعوتِ جلاله ، وله الحمدُ على عْدله قَدَراً وشرعاً ، وله الحمدُ في الآخرةِ والأولى وهو الحكيمُ الخبير ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له المِلكُ الحقُّ العليُّ الكبير ، تعالى في ألوهيته وربوبيتهِ عن الشريكِ والوزيرِ ، وتقدّسَ في أحَدِيَّتِه وصَمَديتِه عن الصاحبةِ والولدِ والوليِّ والنصير ، وتنزَّه في صفاتِ كمالهِ ونعوتِ جلالِه عن الكُفء والنظير، وعـزَّ في سلطانِ قَهره وكمالِ قـدره عن المُنازعِ والمُغالبِ والمُعينِ والمُشيرِ ، وجلَّ في بقائه وغِنَاهُ عن المُطعِم والمُجير ، فسبحانه ما أعظمَه وأحلمَه، وما أجَّله وأكملَه ، عليه توكلتُ وإليه أُنيبُ ، وهو حسبي ونعم الوكيل.

من أيـن أبدأ والمحامـد كلهـا لك يا مهيمن يا مصوُر يا صمْد

احترتُ في أبهى المعاني أن تفي بجلال قدرِك فاعتذرتُ ولم أزدْ

الحمد للهِ على جزيلِ العطاء ، مسدِي النَّعماء ، كاشفِ الضـرَّاء ، معطي السـراء.

الحمد لله عالمِ السرِّ والجهر ، الحمد لله عاليْ القَهرِ والقَدْر ، الحمد لله المتكفلِ بالأقوات ، المدعوِّ عند المدلَهِمَّات ، المطلوبِ عند كشْفِ الكربات ، المرجوِّ في الأزمات.

الحمد لله على كل نعمةٍ أنعم بها ، وعلى كل بليِّةٍ صَرَفها ، وعلى كلِّ أمرٍ يسَّره ، وعلى كل قضاءٍ قدَّره ، وكل مكروهٍ كفاه ، وكلِّ حادثٍ لَطَف فيه.

الحمد لله كم أعطى من النعيم ، كم مَنَح من الخير العميم ، كم تفضَّل به من النوال الجسيم ، عمَّت نعمُه ، انصرفتْ نقَمُه ، تضاعف كرمُه.

الحمد لله على تمام المِنة ، الحمد لله بالكتاب والسنة ، الحمد لله على نعمةِ الإسلام ، وتواتر الإنعام ، توالتْ أفضالُه ، عمَّ نوالُه ، حَسُنتْ أفعالُه ، تمَّتْ أقوالُه الحمد لله مُوْلِى الجميل ، واهبُ العطاءِ الجزيل ، شافي العليل ، المُبارِكُ في القليل ، أجودُ مَنْ أعطى ، وأصدقُ من أوفى.

يا غافلاً عن إلهِ الكون يا لاهي تعيش عمرك كالحيرانِ كالساهي

ارجعْ إلى اللهِ واقصدْ بابه كرماً واللهِ واللهِ لا تلقـى سـوى الله

مَنْ قَبِله فهو المقبول ، مَنْ حاربه فهو المخذول ، مَنْ التجأَ إليه عزَّ ، مَنْ توَّكل عليه كفاه ، مَنْ أطاعه تولاه ، مَنْ نازعه قَصَمه ، مَنْ بارزه حَطَمه ، مَنْ أشرك به أحرقه ، مَنْ نادَّه مزَّقه.

فو اللهِ لوصُغْنا من الدمع قصةً وصـارَ كتابُ الحـبِّ بالـدمِ يُكتـبُ

وسِرْنا على الأجفانِ نمشي محبةً على النارِ نُشوى أو على الجمرِ نُسحبُ

لما بـلغـت ما تستحق جهـودنا فكـل ولو نـال المشقـة مـذنـب

وأشهد أن محمداً رسولُ الله ، النبيُّ الخاتم ، والإمامُ المعصوم ، والأسوةُ الحسنة ، والقدوةُ المثلى ، شَرَفُ الحواضرِ والبوادي ، وزينةُ النوادي ، أعظم هادي ، وأفضل حادي:

يا طريــداً مـلأ الدنيا اسـمُه وغـدا لحنـاً على كلِّ الشِّفـاه

وغــدتْ سيـرتُه أســطورةً يتلقَّــاهـا رواةُ عـن رواه

ليت شعري هل درى مَنْ طاردوا عابـدوا اللاتِ وأتبـاعُ منـاه

هل درتْ مَـنْ طـاردتْه أُمــهٌ هُبَـلٌ معبودُها شاهـتْ وشـاه


أما بعد:

فعنوان محاضرتي .. (أما بعد) ..

وأما بعد .. وأما قبل ، فلله الأمرُ من قبلُ ومن بعد ، ليس لنا من الأمر شيء ، وليس لنا مع قدرتهِ حَوْل ، وما عندنا ، لأمره ردُّ ، وما لنا لقضائه حيلة ، وما لدينا مع قَدَرِه تدبير ، هو الفعَّالُ لما يريد ، ونحن العبيد ، إن تشرَّفْنا فالطينُ أصلُنا ، وإن افتخرنا فالترابُ مردُّنا ، وما لمن خُلِق من ماءٍ مهينٍ أن يشمخَ بأنْفِه، أو يزهوَ بعلمه ، أو يُعجبَ برأيه:

 

يا أنتَ يا أحسنَ الأسماءِ في خَلَدي ماذا أُعرِّفُ من مَتْنٍ ومن سَندِ

تَقَاصرْت كلُّها الأوصافُ عندكمُ لمَّا سَمِعْنا ثناءَ الواحـدِ الأحـدِ

واللهِ لو أنَّ أقلامَ الورى بُريـت مِن العروقِ لمدحِ السـيدِ الصّمدِ

لم نبلغِ العُشرَ ممـا يستحقُّ ولا عُشرَ العشيرِ وهذا غايةُ الأمـدِ

يا ربِّ ، يا حيُّ ، يا قيومُ ، يا لطيفُ ، أنت الكاملُ وأنا الناقص ، أنت الغنيُّ وأنا الفقير ، أنت القويُّ وأنا الضعيف ، أنت الحيُّ وأنا الميت .. أصابعُ الذنوبِ تشير إلى الغفار . ألسنةُ الفقرِ تدعو الغنيَّ . أكفُّ الضعفِ تُرفع للقوي.

الميتُ يمدحُ الحيَّ القيوم.

الغريقُ يُنادي: يا ذا الجلال والإكرام.

الكلماتُ والإشاراتُ عاجزات.

البيانُ والبلاغةُ والتعبيرُ تُعلنِ التقصير.

لا يعلم ما يستحقُّ إلاَّ هو.

لا يحيطُ بعلمِه سواه.

لا يقدِّرُه قَدْرُه إلاَّ إياه.

لا يحسن الثناء عليه غيُره.

إن قدَّسْتُهُ أو سبَّحْتُه أو مجّدْتُه فهو الذي علَّمني. إن حَمِدْتُه أو كبَّرْتُه أو وحَّدتُه فهو الذي ألهمني. إن عَبْدتُه أو شَكَرْتُه أو ذَكَرْتُه فهو الذي أكرمني.

صفاتُ المدحِ في الكاملين ذرَّةٌ من كماله ، نعوتُ الفضلِ في الأبرار نفحةٌ من أفضاله ، ألسنةُ المادحين وأَقلامُ الواصفين حائرةٌ في جلاله ، من أنا حتى أمدحَه؟ مَنْ أنا حتى أُمجِّده؟ مَنْ أنا حتى أُثنيَ عليه؟ أنا الذي خُلِقَ من ترابٍ أَصِفُ الملكَ الوهّاب! أَنا الذي صُوَّر من طينٍ أذكر جلالَ ربِّ العالمين؟!

إنَّ الخَجَلَ يملأُ فؤادَ مَنْ خلق من ماءٍ مهينٍ ، إذا قام يشدو بأوصافِ أحكم الحاكمين ، اللهمَّ إنَّ أشرفَ تاج أحملهُ تمريغُ أنفي على التراب لجلالك ، اللهم إنَّ أعظمَ وسامٍ أحملُه وضعُ جبهتي على الأرض لعبوديتِك.

أَنا الظالمُ لنفسِه المعترفُ بتقصيره ، المقرُّ بذنبه ، أَنت الجوادُ الماجدُ الغنيُّ الحميدُ ، عزَّ جاهُك ، وجلَّ ثناؤك ، وتقدَّست أَسماؤك. ولا إله غيرك.

قد كنت أشفقُ من دمعي على بصري فاليـومَ كـلُّ عزيـزٍ بعدكم هـانا

يا الله سجدَ وجهي لك ، يا الله خشع سمعي وبصري لك ، يا الله رَغِم أنفي لك ، يا الله ذلَّتْ رقبتي لك ، يا الله وَجِل قلبي منك ، يا الله اتجهتْ نفسي إليك ، يا الله حَسُنَ ظني فيك ، يا الله طابَ الحديثُ عنك ، يا الله كمل التوكل عليك.

إليك وإلاَّ لا تُشَدُّ الركائبُ– ومنك وإلا فالمؤمِّل خائبُ

وفيك وإلا فالغرامُ مضيَّعٌ– وعنك وإلا فالمحدِّثُ كاذبُ

أما بعد:

فقد وقفتُ عشرا ، واستفدتُ عشراً.

استفدت عشراً:

أولها: اللجوءُ إلى الله في المُلِمَّات ، وقصدُه في الكُرُبات ، وسؤالُه في الأزمات.

ثانِيها: أنَّ مع العسر يسراً ، ومع الكربِ فرجاً ، ومع الضيقِ سعةً ، وبعد الشدةِ رخاء.

ثالثُها: أنه ليس لك في المصاعبِ إلا الله ، وما لكَ عند الدواهي إلا الله . وما معك في الخطوبِ إلا الله (أمن يجيب المضطرَ إذا دعاه).

رابعُها: أن العلماءَ يصيبون ويخطئون ، والدعاةَ يُحسِنون ويغلَطُون ، والمصلحون يُسدّدون ويعثُرون إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فهو المصيبُ بلا خطأ ، والمسدَّد بلا غَلَط ، والمصلِحُ بلا عثْرة (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى).

خامسُها: أن الكتبَ تعرِفُ منها وتُنكر ، وتَقبلُ وتَرُد ، وتوافِقُ وتخالف ، إلا الوحيَ كتاباً وسنة ، ففيه الصحةُ كلُّها ، والصوابُ أجمعُه ، والحقُّ أتمُّه وأكملُه ، والعدلُ أولُه وآخرُه.

سادسُها: أنه ليس لأحدٍ أن يدعيَ أنه المخوَّلُ وحدَه لنصرِ الدين ، ولا التكلمِ باسمه، فدينُ الله منصورٌ ، شاءَ مَنْ شاءَ ، وأبى مَنْ أبى (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين). نَصَرَه محمدٌ العربي ، وسلمانُ الفارسي، وصهيبٌ الرومي ، وبلالٌ الحبشي ، وصلاحُ الدينِ الكردي ، ونورُ الدين التركماني ، وإقبالُ الهندي.

سابعُها: أنَّ الرفقَ هو الطريقُ الأمثلُ للدعوة ، وأنَّ الكلمةَ اللينةَ هي السحرُ الحلال، وأن الأسلوبَ السهلَ هو مصيدة الرجال.

ثامنُها: أن غالبَ محاضراتِ الدعاةِ وندواتِ العلماءِ حَسْنٌ وصواب ، وحقٌّ وعدل، والقليلَ النادرَ غلطٌ وخطأ ، لعنصرِ البشرية ، وضعفِ الإنسانية ، وانتفاءِ العصمة ، وانقطاعِ الوحي.

تاسعُها: وجدتُ أن الأمةَ لا يشفي عليلَها ولا يروي غليلَها مقطوعةٌ من فنان ، ولا طرْحٌ من علماني ، ولا هُيامٌ من شاعر ، ولا خيالٌ من فيلسوف ، إنما يحييها ، ويرفعُها ، ميراثٌ من نبوة ، وتَرِكةٌ من رسالة ، وأَثَارةٌ من وحي: (فأما الزبد فيذهب جفاءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

عاشرُها: وجدتُ أنَّ الأمةَ قد تكون غيرَ منتجةٍ ، ولا مخترعةٍ ، ولا مكتشفةٍ ، ولا مصنِّعة ، ولكنها لا تعيشُ بلا إيمان ، ولا تحيا بلا رسالة ، ولا تشرُفُ بلا منهج: (أوَ من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس).

تلك عشرة كاملة .. أهديها لمحبِّ النصح ، وعاشق الفضيلة وطلابِ الحقيقةِ ، وشُداةِ الإصلاح ، وروَّادِ المعرفة: (إنْ أُريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).           

دَعْها كما شاءها الرحمنُ جاريةً الله يحفظُهــا والله يرعاهَــا

لها من الوحي نورٌ تستضيءُ به وبهجةُ الغارِ تبـدو في محيَّاها أما بعد:

فهذه عشرُ سنواتٍ طويلاتٍ قصيرات ، فيها حسناتٌ وسيئات ، ومضحكاتٌ ومبكياتٌ ، مَّرتْ بسرورِها وحزنِها ، ونعيمها وبؤسِها ، وغناها وفقرِها ، ولذَّتِها ومعاناتِها.

مرتْ سنـونٌ بالسعودِ وبالهنا فكأنـها مـن قِصْرها أيـامُ

ثـم انثنتْ أيـامُ هجرٍ بعدها فكأنها مـن طُـولها أعـوامُ

ثم انقضتْ تلك السنونُ وأهلُها فكـأنـها وكأنـهم أحـلامُ!

انتهت هذه العشر عندنا ، لكن ما انتهت عند الله (عِلْمُها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى).

أما بعد:

فإن الداعية ليس له حقل واحد لا يعمل إلا فيه ، بل حقولٌ متعددة ، وميادينُ مختلفة ، ومنابرُ شتى ، فالدعوةُ لا يحدُّها حدّ ، ولا يحصرُها حَصْر ، ولا يقيدُها قيد. إنَّ الدعوةَ تجري في دم الداعية ، يقولُها كلمةً ، ويصوغُها عبارةً ، ويُنشدُها قصيدةً ، ويدبِّجُها خطبةً ، وينقلُها فكرةً ، ويؤلفُها كتاباً ،ويلقيها محاضرة.

إنها قد تكون مع النفس في محاسبةٍ ومراقبة ، وتكون مع الأمّ براً وحناناً ، ومع الأبِ شفقةً ورحمة ، ومع الابن تربيةً وأدباً ، ومع الجار إحساناً وبراً ، ومع المسلمِ مصافاةً ومودة ، ومع الكافر دعوةً وحواراً.

فهذا إبراهيمُ الخليلُ يتلطفُ بأبيه (يا أبتي) ، وهذا نوح ينوح على ابنه: (يا بني اركب معنا) ، وهذا مؤمن آل فرعونَ يعطف على قومِه: (يا قومي). وهذا مؤمن آل ياسين ينادي وهو في الجنة: (يا ليت قومي يعلمون).

إن الدعوةَ همٌّ لازم ، وواجبٌ دائم ، فهي معك في السيارةِ ، وفي الطائرةِ، وفي السفينةِ ، وفي النادي ، وفي الجامعةِ ، والمزرعةِ ، والمتجر ..

قد تدعو بسيرتك أكثر من كلامك ، وتدعو بصفاتك أعظم من خُطَبِك وتدعو بخُلُقِك أحسن من محاضرتك.

ليس للداعية وقوف ، سُجن يوسفُ فدعا في السجن ، وطُرد نوح فدعا في السفينة ، وحوصر محمدً فدعا في الشِّعبِ ، وطُوِّق فدعا في الغار ، وطُرد فأنشأ دولة.

قيل لشيخِ الإسلام ابن تيمية: قد أمر السلطانُ بنفيك إلى قبرص ، أو قتلِك أو سجنِك فقال: واللهِ إنَّ بي من الفرح والسرور ما لو قُسِّمَ على أهلِ الشامِ لوسعهم، والله إني كالغنمةِ ما تنامُ إلا على صوف ، إن نُفيتُ إلى قبرص دعوتُ أهلها إلى الإسلام ، وإن سجنت خلوتُ بعبادة ، ربي وإن قتلت فأنا شهيد:

روحي تحدثني بأنك متلفي نفسي فداك عرفت أم لم تعرف

ليس من المهم عند الداعية أن يكون له جمهورٌ حاشد ، أو حفلٌ بهيج ، أو مستمعون كُثر ، المهم أن يقولَ الحق ، وأن يأمرَ بالمعروف ، وأن ينهى عن المنكر ، وأن يحملَ الميثاقَ بأمانة ، ويبلَّغَ الشريعةَ بصدق.

(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه)

بعضُ الأنبياء لم يستجِبْ له أحد ، والبعضُ استجاب له واحدٌ أو اثنان ، والبعضُ جماعة ، وبعضُهم دعا عُمُرَه كلَّه ثم قُتل ولم يُطعْه بشر ، وأنبياءُ آخرون مكثوا السنينَ الطويلةَ يدعون ثم نُشروا بالمناشير!

سيِّـدي علِّـلِ الفـؤادَ العليـلا واحيني قبل أن تراني قتيلا

إن تكنْ عازماً على قتل روحي فترفـقْ بها قليـلاً قليـلا!

إن الداعيةَ ليس فناناً يداعبُ العواطف ، ويلعبُ بالمشاعر ، ويتَفقدُ مكامن التأثيرِ في الناس ، وليس شاعراً يخلُبُ الألبابَ ، ويسافرُ مع الخيال ، ويهِيم في أوديةِ الضلال ، وليس فيلسوفاً يقنِّنُ القوانين ، ويضربُ الأقيسةَ ، ويحدِّد المقدِّمات، ويخلُصُ إلى النتائج ، وليس سلطاناً يفرِضُ كلمتَه ، ويؤدبُ رعيتَه ويحشدُ جنودَه ، ويرفعُ بنودَه ، وليس تاجراً يجمعُ الدراهمَ ، ويكنِزُ القناطيرَ المقنطرةَ ، ويرصُدُ الشيكات ، ويضاربُ بالأسهم . الداعيةُ شيءٌ آخر! ..

إنه تابعُ لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ابنٌ بارٌّ لرعايته ، تلميذٌ نجيبٌ في مدرستِه ، طالبٌ متفوقٌ في جامعته. يسري حبُّ الله وحبُّ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - في دمه ، يُشِعُّ في قلبه ، يُضيءُ طريقَه ، يملأُ وجدانَه ، يُلهِبُ ضميرَه.

الحبُّ ليس روايةٌ شرقيةً بأريجها يتزوج الأبطال

لكنه الإبحارُ دون سفيـنة ومرادنا أن المحال محال

الداعية ليس له إجازةٌ ، ولا انتدابٌ ، ولا مخصّصَاتٌ ، ولا عادات. الداعيةُ ليس له حفلُ مولد ، ولا مهرجاناتُ تخرج ، ولا حفلُ وداعٍ ، ولا مناسبةُ استقبال ، بل هو مع الأنبياء ، تلقاه على الرصيفِ ، وفي الدُّكانِ ، ومع أهلِ الحِرفَ ، مع النجارِ والخبازِ والنسَّاج ، والبنَّاء ، مع الناس باختلاف أذواقِهم وطبقاتِهم وألوانِهم وأجناسِهم ، داعياً للملِك والمملوك ، وللأميرِ والوزيـرِ ، وللكبيرِ والصغيرِ ، للذكر والأنثى ، للأبيض والأسود.

الداعية باع نفسَه من الله ، فلا يُطالب ، ولا يُضارب ، لا يُعاتب ، ولا يُحاسب .. فاتورةُ تعبِه مدفوعةُ في الآخرة (ولسوف يعطيك ربُّك فترضى) ، شيكُ أُجْرتِه مصروفُ من بنك (يريدون وجهه) ، وسندُ أموالهِ موقَّعُ عليه (إنك تعلم ما نريد).

بعنا النفوسَ فلا خيار ببيعنا أعْظمْ بقومِ بايعوا المختارا

فأعاضَنَا ثمَناً أجلَّ من المنى جناتِ عدنٍ تُتحِفُ الأبرارا

الداعيةُ لا ينتظرُ شهادةَ حسنِ سيرةٍ وسلوكٍ من البشر ، ولا نياشينَ يعلِّقُها على صدره ، ولا نجومَ يضعُها على أكتافه ، ولا صورةَ ذكرى يرفعُها في مجلسِه. إنه يريد تاج (رضي الله عنهم ورضوا عنه) ، ويطمعُ في نجومِ (يحبهم ويحبونه) ، ويرغبُ في نياشين (الله ولي الذين آمنوا).

الداعيةُ لا يُعيَّن بقرارٍ جمهوري ، ولا بوثيقةٍ حكومية، ولا بانتخابٍ من الجمهور. الداعيةُ لا يأتي عن طريقِ صناديقِ الاقتراع ، ولا المجلسِ النيابي ، ولا الهيئةِ البرلمانية ، فهو فوقَ ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المواعظ

كتبها المحتسب زاوي ، في 12 فبراير 2012 الساعة: 22:58 م

 المواعظ

 لأبن الجوزي 

مكتبة مشكاة الإسلامية

الفصل الأول ابكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ

إخواني‏:‏ لو تَفكَّرت النُّفُوسُ فِيمَا بَينَ يَدَيهَا وَتَذَكَّرَت حِسَابهَا فيما لها وعليها لبعث حزنها بريد دمها إليها أما يحق البُكاء لمن طالَ عِصيانهُ‏:‏ نهاره في المعاصي وقد طال خُسرانه وليله في الخطايا فقد خفَّ ميزانه وبين يديه الموت الشديد فيه من العذاب ألوانه 0 وروى ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏(‏استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً فالتفت فإذا هو بعمر يبكي فقال‏:‏ يا عمر ههنا تُسكبُ العبراتُ‏)‏ 0 وقال أبو عمران الجوني‏:‏ بلغني أن جبريل عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال‏:‏ يا رسول الله ما يُبكِيكَ‏:‏ قال‏:‏ أو ما تَبكى أنت فقال‏:‏ يا محمد ما جفت لي عينٌ منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها 0 وقال يزيد الرقاشي‏:‏ إن لله ملائكة حول العرش تجرى أعينهم مثل الأنهار إلى يوم القيامة‏:‏ يميدون كأنما تنفضهم الريح من خشية الله فيقول لهم الرب عز وجل‏:‏ يا ملائكتي ما الذي يخيفكم وأنتم عبيدي‏:‏ فيقولون‏:‏ يا ربَّنا لو أن أهل الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا‏:‏ ما وقال السدى‏:‏ بكى داود حتى نبت العشب من دموعه فلمَّا رماه سهم القدر جعل يتخبط في دماء تفريطه ولسان اعتذاره يُنادى‏:‏ اغفر لي فأجابه‏:‏ للخطائين فصار يقول‏:‏ اغفر للخطائين 0 قال ثابت البناني‏:‏ خَشَى داود سبعة أَفرشِ بالرَّمادِ ثم بكى حتى أنفذتها دموعه 0 تَصَاعَدَ مِن صَدرِي الغَرامُ لِمُقلَتِي فَغَالَبَنى شَوقِي بفَيضِ المَدَامِعِ وَإِنَّ في ظَلامِ اللَّيلِ قَمرية إِذا بكيتُ بَكَت في الدَّوحِ طُول المَدَامِعِ قال سليمان التيمي‏:‏ ما شرب داود عليه السلام شراباً إِلا مزجه بدموع عينيه 0 قال مجاهد‏:‏ سأل داود ربَّه أن يجعلَ خطيئته في كَفِّهِ فكان لا يتناول طعاماً ولا شراباً إلا أبصر خطيئته فبكى وربما أتى بالقدح ثلثاه فمد يده وتناوله فينظر إلى خطيئته ولا يضعه على شفتيه حتى يفيض من دموعه 0 وقال بعض أصحاب فتح‏:‏ ‏(‏رأيته ودموعه خالطها صُفرة فقلت‏:‏ على ماذا بكيتَ الدَّم قال‏:‏ بكيتُ الدموع على تخلفي عن واجب حق الله والدم خوفاً أن لا أُقبل قال‏:‏ فرأيته في المنام فقلت‏:‏ ما صنع الله بك قال‏:‏ غفر لي قلت‏:‏ فدموعك‏!‏ قال‏:‏ قربتني وقال‏:‏ يا فتح على ماذا بكيت الدموع قلت‏:‏ يا رب على تخلفي عن واجب حقك قال‏:‏ فالدم قلت‏:‏ بكيت على دموعي خوفاً أن لا تصبح لي قال‏:‏ يا فتح ما أردت بهذا كله وعزتي وجلالي لقد صعد إِلى أجارتنا بالغدر والرَّكب مُتَّهم أَيَعلَم خالٍ كيف بات المُتَيَّمُ رحَلتُم وعُمرَ الليل فينَا وفِيكُم سواءً ولَكِن سَاهِرَاتٌ وَنُوَّم تَنَاءَيتُم من ظَاعنين وخلَّفوا قُلُوباً أَبَت أَن تَعرِفَ الصَّبرَ عَنهُمُ وَلَمَّا جلى التَّودِيع عَمَّا حذَّرته وَلا زَال نظرة تَتَغنَّم بَكِيتَ علَى الوادِي فحُرِمت ماؤهُ وَكيفَ يَحل المَاء أَكثَرَهُ دم قال عبد الله بن عمرو‏:‏ كان يحيى يَبكِي حتى بَدَت أَضراسه 0 قال مجاهد‏:‏ كانت الدُّموع قد اتخذت في خَده مجرى 0 يا من معاصيه أكثر من أن تحصى يا من رضي أن يطرد ويقصى يا دائم الزلل وكم ينهى ويوصى يا جهولاً بقدرنا ومثلنا لا يعصى إن كان قد أصابك داء داود فنح نوح نوح تحيا بحياة يحيى 0 روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في وجهه خطوط مُسودة من البكاء 0 وبكى ابن مسعود حتى أخذ بكفه من دموعه فرمى به 0 وكان عبد الله بن عمر يطفئ المصباح بالليل ثم يبكي حتى تلتصق عينيه 0 وقال أبو يونس بن عبيد‏:‏ كنا ندخل عليه فيبكي حتى نرحمه 0 وكان أبو عمران الجوني إذا سمع المؤذن تغير وفاضت عيناه 0 وكان أبو بكر النهشلي إذا سمع الأذان تغير لونه وأرسل عينيه بالبكاء 0 وكان نهاد بن مطر العدوى قد بكا حتى عمى 0 وبكى ابنه العُلا حتى عشى بصره 0 وكان منصره قد بكى حتى جردت عيناه 0 وكانت أمه تقول‏:‏ يا بني لو قتلت قتيلاً ما زدت على هذا 0 وبكى هشام الدستوائي حتى فسدت عيناه وكانت مفتوحة وهو لا يبصر بها 0 وبكى يزيد الرقاشي أربعين سنة حتى أظلمت عيناه وأحرقت الدموع مجاورتها 0 وبكى ثابت البناني حتى كاد بصره أن يذهب وقيل له‏:‏ نعالجك على أن لا تبكي فقال‏:‏ لا خير في عين لم تبك‏:‏ بَكَى البَاكُونَ لِلرَّحمنِ لَيلاً وبَاتُوا دَمعُهُم ما يَسأَمُونَا بِقَاعُ الأَرضِ من شوقي إِليهم تَحُنُّ متى عَليها يَسجُدونا كان الفضلُ قد أَلِفَ البُكا حتى ربما بكى في نومه حتى يسمع أهل الدار‏:‏ وَرَقَّت دُمُوعُ العين حتىَّ كأَنَها دُمُوعُ دمُوعِي لا دُمُوع جُفُونِي ويقول الحسن بن عدقة‏:‏ رأيت يزيد بن هارون بواسط من أحسن الناس عينين ثم رأيته بعد ذلك مكفوف البصر فقلت له‏:‏ ما فعلت العينان الجميلتان قال‏:‏ ذهب بهما بكاء الأَسحَار يا هذا لو علمت ما يفوتك في السحر ما حملك النوم تقدم حينئذ قوافل السهر على قلوب الذاكرين وتحط رواحل المغفرة على رباع المستغفرين من لم يذق حلاوة شراب السحر لم يبلغ عِرفانه بالخير من لم يتفكر في عمره كيف انقرض لم يبلغ من الحزن الغرض 0 قيل لعطاء السليمي‏:‏ ما تشتهي قال‏:‏ أشتهي أن أبكي حتى لا أَقدر أن أبكي وكان يبكي الليل والنهار وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه 0 وبكى مالك بن دينار حتى سود طريق الدموع خديه وكان يقول‏:‏ لو ملكت البكاء لبكيت أيام الدنيا‏:‏ أَلا ما لعين لا ترى قُلَل الحمى ولا جبل الديَّان إِلا استهلت لجوخِ إِذا الحبُّ بكى إِذا بَكَت قادت الهوى وأَحَلَّت إِذا كانت القلوب للخوف وَرَقَّت رفَعَت دموعها إِلى العين وقت فأعتقَت رِقاباً للخطايا رَقَّت من لم يكن له مثل تقواهم لم يعلم ما الذي أبكاهم من لم يشاهدُ جمال يوسف‏:‏ لم يعلم ما الذي مَن لَم يبت والحب حشو فؤادهِ لَم يدرِ كيفَ تُفَتَّتُ الأَكباد فيا قياسي القلب هَلاَّ بكيت على قسوتك ويا ذاهل العقل في الهوى هَلاَّ ندمت على غفلتك ويا مقبلاً على الدنيا فكأنك في حفرتك ويا دائم المعاصي خف من غبِّ معصيتك ويا سيئ الأعمال نُح على خطيئتك ومجلسنا مَأتَمٌ للذنوب فابكوا فقد حَلَّ مِنَّا البُكَاء ويوم القيامة ميعادنا لكشف الستور وهتك الغطاء الفصل الثاني تَفَكَّر في يَومِ القِيَامَةِ

إخواني تفكروا في الحشر والمعاد وتذكروا حين تقوم الأشهاد‏:‏ إن في القيامة لحسرات وإن في الحشر لزفرات وإن عند الصراط لعثرات وإن عند الميزان لعبرات وإن الظلم يومئذ ظلمات والكتب تحوى حتى النظرات وإن الحسرة العظمى عند السيئات فريق في الجنة يرتقون في الدرجات وفريق في السعير يهبطون الدركات وما بينك وبين هذا إلاَّ أن يقال‏:‏ فلان مات وتقول‏:‏ رَبِّ ارجعوني فيقال‏:‏ فات 0 روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم‏)‏ 0 وأخرجا جميعاً من حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث‏:‏ ‏(‏ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهراني جهنم فقيل‏:‏ يا رسول الله وما الجسر قال‏:‏ مدحه ومزلة عليه خطاطيف وكَلاليب وحسك المؤمن يعبر عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل فناج مسلم وناج مخدوش حتى يمرّ آخرهم يُسحب سحباً‏)‏ 0 لله درَ أقوام أطار ذكر النار عنهم النوم وطال اشتياقهم إلى الجنان الصوم فنحلت أجسادهم وتغيرت ألوانهم ولم يقبلوا على سماع العذل في حالهم واللوم دافعوا أنفسهم عن شهوات الدنيا بغد واليوم دخلوا أسواق الدنيا فما تعرضوا لشراء ولا سوم تركوا الخوض في بحارها والعوم ما وقفوا بالإِشمام والروم جدوا في الطاعة بالصلاة والصوم هل عندكم من صفاتهم شئ يا قوم قالت أُم الربيع أُم حيثم لولدها‏:‏ يا بني أَلا تنام قال‏:‏ يا أُماه من جَنَّ عليه الليل وهو يخاف الثبات حق له أن لا ينام 0 فلما رأت ما يلقى من السهر والبكا قالت‏:‏ يا بني لعلك قتلت قتيلاً قال‏:‏ نعم قالت‏:‏ ومن هذا القتيل حتى نسأل أهله فيغفرون فوالله لو يعلمون ما تلقى من السهر قيل لزيد بن مزيد‏:‏ ما لنا لم نزل نراك باكياً وجلاً خائفاً فقال‏:‏ إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لي عبرة 0 وكان آمد الشامي يبكي وينتحب في المسجد حتى يعلو صوته وتسيل دموعه على الحصى فأرسل إليه الأمير‏:‏ إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك ولو أمسكت قليلا ً فبكى ثم قال‏:‏ إن حزن يوم القيامة أورثني دموعاً غزاراً فأنا أستريح إلى ذرها‏:‏ يا عاذلَ المُشتاق دَعهُ فَإِنَّه يطوى عَلى الزَّفَرات غير حشاكا لَو كانَ قَلبُكَ قَلبه ما لمتُهُ حاشاك ممَّا عِندَهُ حاشاكا وعوتب عطاء السلمى في كثرة البكاء فقال‏:‏ إني إذا ذكرت أهل النار وما يُنزلُ بهم من عذاب الله تعالى مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تغلّ يدها وتسحب إلى النار ولا تبكي وقيل لبعضهم‏:‏ ارفق بنفسك فقال‏:‏ الرفق أطلب 0 وقال أسلم بن عبد الملك‏:‏ صحبت رجلاً شهرين وما رأيته نائماً بليل ولا نهار فقلت‏:‏ ما لك لا تنام قال‏:‏ إن عجائب القرآن أطرن نومي ما أخرج من أُعجوبة إلا وقعت في أخرى 0 كثر فيك اللوم فأين سمعي وهم قلبي واللوم عليك منجد ومتهم قال‏:‏ أسهرت والعيون الساهرات نوم وليس من جسمك إلا جلدة وأعظم 00 وما عليهم سهري ولا رقادي لهم وهل سمان الحب إلّا سهر وسقم خذ أنت في شأنك يا دمعي وخل عنهم 

الفصل الثالث بادر بالأعمال الصالحة

طوبى لمن بادر عُمره القصير فعمَّر به دار المصير وتهيأ لحساب الناقد البصير قبل فوات القدرة وإعراض النصير 0 قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏بادروا بالأَعمال سبعاً هل تنتظرون إِلّا فقراً مُنسياً أو غني مطغياً أو مرضاً مفسداً أو موتاً مجهزاً أو هرماً مُفنداً أو الدجال فشر غائب يُنتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر‏)‏ 0 كان الحسن يقول‏:‏ عجبت لأقوام أُمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون 0 وكان يقول‏:‏ يا بن آدم‏:‏ ‏(‏السكين تشحذ والتنور يسجر والكبش يعتلف‏)‏ 0 وقال أبو حازم‏:‏ إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فإِنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إِلى قليل ولا كثير وكان عون بن عبد الله يقول‏:‏ ما أُنزل الموت كنه منزلته ما قد غدا من أجلكم مستقبل يوم لا يستكمله وكم من مؤملٍ لغدٍ لا يُدركُه إِنَّكم لو رأيتم الأَجَل ومسيره بغضتم الأَمل وغروره 0 وكان أبو بكر بن عياش يقول‏:‏ لو سقط من أَحدهم درهمٌ لظل يومه يقول‏:‏ إنا لله ذهب درهمي وهو يذهب عمره ولا يقول‏:‏ ذهب عمري وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات ويحفظون الساعات ويلازمونها بالطاعات 0 فقيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ إنه ما مات حتى سرد الصوم 0 وكانت عائشة رضي الله عنها تسرد وسرد أبو طلحة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة وقال نافع‏:‏ ما رأيت ابن عمر صائماً في سفره ولا مفطراً في حضره 0 قال سعيد بن المسيب‏:‏ ما تركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة 0 وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين 0 وكان الأسود يقوم حتى يخضر ويصفر وحج ثمانين حجة 0 وقال ثابت البناني‏:‏ ما تركت في الجامع سادنة إلّا وختمت القرآن عندها 0 وقيل لعمرو بن هانئ‏:‏ لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم قال‏:‏ مائة ألف إلّا ما تخطئ الأصابع 0 وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها وكان الليل كله يبكي فتقول له أُمه‏:‏ يا بني قال الجماني‏:‏ لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال‏:‏ لا تبك وأشار إلى زاوية في البيت إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة 0 قال الربيع‏:‏ وكان الشافعي رضي الله عنه يقرأ في كل شهر ثلاثين ختمة وفي كل شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلوات واعلم أن الراحة لا تنال بالراحة ومعالي الأُمور لا تنال بالفتور ومن زرع حصد ومن جد وجد 0 لله در أقوام شغلهم تحصيل زادهم عن أهاليهم وأولادهم ومال بهم ذكر المال عن المال في معادهم وصاحت بهم الدنيا فما أجابوا شغلاً بمرادهم وتوسدوا أحزانهم بدلاً عن وسادهم واتخذوا الليل مسلكاً لجهادهم واجتهادهم وحرسوا جوارحهم من النار عن غيهم وفسادهم فيا طالب الهوى جز بناديهم ونادهم‏:‏ أَحيَوا فُؤَادِي ولَكِنَّهم علَى صَيحَة من البين ماتُوا جميعاً حرمُوا رَاحة النَّوم أَجفَانهم وَلَفُّوا علَى الزفرات الضُّلوعَا طُول السَّواعد شُمُّ الأُنوف فطابُوا أُصُولاً وطَابُوا فُرُوعا أَقبلت قلوبهم تراعى حق الحق فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق 0 فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى والقُلوب في رياض الملكوت ترعى نازلهم الخوف فصاروا والهين وناجاهم الفكر فعادوا خائفين وجَنَّ عليهم الليل فباتوا ساهرين وناداهم منادى الصَّلاح حىّ على الفلاح فقاموا متهجدين وهبت عليهم ريح الأَسحار فتيقظوا مستغفرين وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين فلمَّا رجعوا وقت الفجر بالأَجر بادى الهجر يا خيبة النائمين 0

الفصل الرابع اذكُر المَوت

إخواني‏:‏ أكثروا من ذكر هاذم اللذات وتفكروا في انحلال بناء اللذات وتصوروا مصير الصور إلى الرفات وأَعدوا عدةً تكفي في الكفات واعلموا أن الشيطان لا يتسلط على ذاكر الموت وإنما إذا غفل القلب عن ذكر الموت دخل العدو من باب الغفلة 0 قال الحسن‏:‏ إن الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لُب به فرحاً 0 وقال يزيد بن تميم‏:‏ من لم يردعه الموت والقرآن ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع 0 سُئل ابن عياض عن ما بال الآدمي تُستنزع نفسه وهو ساكت وهو يضطرب من القرصة قال‏:‏ لأن الملائكة توقفه 0 يا بن آدم مثل تلك الصرعة قبل أن تذر كل غرة فتتمنى الرجعة وتسأَل الكرة كَم من محتضر تمنَّى الصحة للعمل هيهات حقر عليه بلوغ الأَمل أَو ما يكفي في الوعظ مصرعه أو ما يشفي من البيان مضجعه 00 أما فاته مقدوره بعد إِمكانه 00 أَما أنت عن قليل في مكانة 0 ولَمَّا احتضر عبد الملك بن مروان قال‏:‏ والله لوددت أنَّي عبد رجلٍ من تهامة أرعى غنيمات في جبالها وأني لم ألِ 0 وجعل المعتضد يقول عند موته‏:‏ ذهبت الحيل فلا حيلة حتى صمت 0 وقال أبو محمد العجلي‏:‏ دخلت على رجل في النزع فقال لي‏:‏ سخرت بي الدنيا حتى ذهبت أَيامي وفي الحديث‏:‏ ‏(‏أما إِنكم لو أَكثرتُم ذكر هاذم اللذات‏!‏‏)‏ 0 يا من قد امتطى بجهله مطايا المطالع لقد ملأ الواعظ في الصباح المسامع تالله لقد طال المدى فأَين المدامع أَين الذين بلغوا المنى فما لهم في المنى منازع رمتهم المنايا بسهامها في القوى والقواطع فعلموا أن أيام النعم في زمان الخوادع ما زال الموت يدور على الدوام حتى طوي الطوالع صار الجندل فراشهم بعد أن كان الحرير فيما مضى المضاجع ولقوا والله غاية البلاء في تلك البلاقع جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا وبنوا مساكنهم فما سكنوا فكأَنهم بها ظعناً لما استراحوا ساعة ظعنوا 0 لقد أُمكنتَ الفرصة أيها العاجز ولقد زال القاطع وارتفع الحاجز ولاح نور الهدى فالمجيب فائز وتعاظمت الرغائب وتفاقمت الجوائر فأَين الهمم العالية وأَين النجائز أَما تخافون هادم اللذات والمنى والمناجز 0 أما اعوجاج القناة دليل الغامز .  أما الطريق طويل وفيه المفاوز 0 أما عقاب العتاب تحوى الهزاهز 0 أَما القبور قنطرة العبور فما للمجاوز 0 أما يكفي في التنقيص حمل الجنائز 0 أَما العدد كثير فأَين المبارز أما الحرب صعب والهلك ناجز والقنا مسوغ والطعن واجز والأمر عزيز والرماح البوس نواكز 0 تالله بطلت الشجاعة من بني العجائز وتريد إِصلاح نادك والأمر ناشز 0 إِن لم يكن سبق الصديق فليكن توبة ماعز 0

الفصل الخامس ذِمّ الدُّنيا

أَيها العبد‏:‏ تفكر في دنياك كم قتلت وتذكر ما صنعت بأَقرانك وما فعلت واحذرها فإِنها عما لابد منه قد شغلت وإِياك أن تساكنها فإِنها إِن حلت رحلت 0 وروى عمار بن ياسر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏مرَّ بشاةٍ ميتةٍ قد ألقاها أهلها فقال‏:‏ والذي نفسي بيده إِنَّ الدنيا أهون على الله من هذه على أَهلها‏)‏ 0 وكان يقول في صفة الدنيا‏:‏ ‏(‏أَولها عناءٌ وأخرها فناء 0 حلالها حسابٌ وحرامها عقابٌ 0 من استغنى بها فُتن ومن افتقر إِليها حزن ومن سعى لها فاتته ومن نأى عنها أَتته ومن نظر إِليها أعمته ومن بصر بها بصرته‏)‏ 0 وصفها بعض العلماء فقال‏:‏ جمةُ المصائب رتقةُ المشارب لا تفي لصاحب 0 وقال يحيى بن معاذ‏:‏ الدنيا خمر الشيطان‏:‏ من شربها لم يفق إلا بين عساكر الموتى نادماً بين الخاسرين قد ترك منها لغير ما جمع وتعلق بحبل غرورها فانقطع وقدم على من يحاسبه على الفتيل والنقير والقطمير فيما انقرض عليه من الصغير والكبير يوم تزل بالعصاة القدم ويندم المسئ على ما قدم 0 يا من حيات حياته بالآفات لوادغ وأَغراضه المنقلبة إِليها منقلبة زوائغ وشياطين هواه بينه وبين ما هو له نوازع وسهام سهوه في لهو دينه بوالغ قد جرحت الحجر على قلبه فأنساه الحجر الدامغ إن وعظ فساه وإن قوم فزائغ قلبه ملآن بالهوى ومن التقى فارغ كأني بك وسيف الممات في دم الحياة والغ نازلك فانزلك بالنوى عن الأعالي النوابغ وتقضي التيامن نبات سلب الحلى الصايغ ومر إليك فمر عليك الشراب السايغ وطمس شموس عزك المنيرات النوازغ وخرق دروع المنيعات السدايغ أين من جمع الأموال وحماها واهاً لمن جمعها واقتناها تناهى أجله وما تناهى كم سلبت الدنيا أقواماً أقواماً كانوا فيها وعادت عزهم أحلاماً أحلاماً فتفكر في حالهم كيف حال وانظر إلى من مال إلى مال وتدبر أحوالهم إلى ماذا آل وتيقن أنك لاحق بهم بعد ليال عُمرك في مدةٍ ونفسك معدود وجمسك بعد مماتك مع دود كم أمّلت أملاً فانقضى الزمان وفاتك وما أراك تفيق حتى تلقى وفاتك فاحذر زلل قدمك وخف طول ندمك واغتنم وجودك قبل عدمك واقبل نصحى لا تخاطر بدمك 0

الفصل السادس قُمِ الليلَ واترك التكاسل

لله در أقوام هجروا لذيذ المنام وتنصلوا لما نصبوا له الأقدام وانتصبوا للنصب في الظلام يطلبون نصيباً من الإنعام إِذا جنّ الليل سهروا وإذا جاء النهار اعتبروا وإذا نظروا في عيوبهم استغفروا واذا تفكروا في ذنوبهم بكوا وانكسروا . قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏عليكم بقيام الليل فإِنه دأب الصالحين قبلكم وإنه قربة إلى ربكم ومغفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم‏)‏ 0 وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عجب ربنا من رجلين‏:‏ رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته ورجل غزا في سبيل الله فانهزموا فعلم ما عليه في الفرار وما له في الرجوع فرجع حتى أهريق دمه‏)‏ 0 قال أبو ذر رضي الله عنه‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أي صلاة الليل أفضل قال‏:‏ نصف الليل وقليل فاعله‏)‏ 0 قال داود عليه السلام‏:‏ يا رب أي ساعة أقوم لك فأوحى الله إليه‏:‏ يا داود لا تقم أول الليل ولا آخره ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بي وأخلوا بك وارفع إِلىّ حوائجك‏)‏ 0 وروى عمر بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإِن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن‏)‏ 0 كان همام بن الحارث يدعو‏:‏ اللهم ارزقني سهراً في طاعتك فما كان ينام إِلا هنيهة وهو قاعد وكان طاوس يتقلب على فراشه ثم يدرجه ويقول‏:‏ طير ذكر جهنم نوم العابدين 0 وقال القاسم بن راشد الشيباني‏:‏ كان ربيعة نازلاً بيننا وكان يصلي ليلاً طويلاً فإِذا كان السحر نادى بأَعلى صوته‏:‏ يا أيها الركب المعرّسون‏:‏ أهذا الليل تنامون ألا تقومون فترحلون قال‏:‏ فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع 0 فإِذا طلع الفجر نادى بأَعلى صوته‏:‏ عند الصباح يحمد القوم السرى 0 قال الضحَّاك‏:‏ أدركت قوماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة 0 يا منازل الأحباب‏:‏ أين ساكنوك يا بقاع الإِخلاص‏:‏ أين قاطنوك يا مواطن الأَبرار‏:‏ أَين عامروك يا مواضع التهجد‏:‏ أين زائروك خلت والله الديار وباد القوم وارتحل أرباب السهر وبقي أهل النوم واستبدل الزمان أكل الشهوات يا أهل الصوم‏:‏ كَفَى حَزَناً بِالوَالِهِ الصَّبّ أَن يَرى منازِلَ مَن يَهوى معطلة قفرا لله درّ أقوام اجتهدوا في الطاعة وتاجروا ربهم فربحت البضاعة وبقي الثناء عليهم إلى قيام الساعة لو رأيتهم في الظلام وقد لاح نورهم وفي مناجاة الملك العلام وقد تم سرورهم فإِذا تذكروا ذنباً قد مضى ضاقت صدورهم وتقطعت قلوبهم أسفاً على ما حملت ظهورهم وبعثوا رسالة الندم والدمع سطورهم 0 ولَمَّا وقَفنا والرسائلُ بينَنا دموعٌ نَهاها الواجدون توقفا ذكرنا اللَّيالي بالعَقيقِ وظِلَهُ الأَنيق فقطعنا القلوبَ تأسفا نسيم الصِّبا إِن زُرتَ أَرضَ أَحِبتي فخَصَهُم منِّي بكُلِ سلام وبَلِغهُم أَني بُرهَن صَبابةٍ وأَن غَرامي فَوقَ كُلَ غَرامِ وإِني ليَكفيني طُروقُ خيالِهم لَو أَنَ جُفوني مُتعت بمنام وقَد صُمتُ مِن أَوقات نَفسي كُلَها ويَوم لِقاكُم كانَ فطر صيامي جال الفكر في قلوبهم فلاح صوابهم وتذكروا فذكروا كذكر إعجابهم وحاسبوا أنفسهم فحققوا حسابهم ونادموا للمخافة فأصبحت دموعهم شرابهم وترنموا بالقرآن فهو سمرهم مع أترابهم وكلفوا بطاعة الإله فانتصبوا بحرابهم وخدموه مبتذلين في خدمته شبابهم فيا حسنهم وريح الأسحار قد حركت أثوابهم وحملت قصص غصصهم ثم ردت جوابهم 

الفصل السابع اندم على ذنوبك

أيها العبد‏:‏ تفكر في عُمر مضى كثيره وفي قدم ما يزال تعثيره وفي هوى قد هوى أسيره وفي قلب مشتت قد قل نظيره وتفكر في صحيفة قد اسودت وفي نفس كلما نصحت صدت وفي ذنوب ما تحصى لو أنها عدت 0 قال أبو الدرداء رضي الله عنه‏:‏ تفكر ساعة خير من قيام ليلة 0 وقال أبو يوسف بن أسباط‏:‏ الدنيا لم تخلق لتنظر إليها وإنما خلقت لتنظر بها إلى الآخرة 0 وكان سفيان الثوري من شدة تفكيره يبول الدم 0 وقال أبو بكر الكتاني‏:‏ روعة عند انتباه من غفلة وقال يحيى بن معاذ‏:‏ لو سمع الخلائق صوت النائحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفنا تساقطت القلوب منهم حزناً ولو رأت القلوب بعين الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس خوفاً 0 ولو رأت القلوب بعين الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس خوفاً 0 ولو أدركت القلوب كنه محبة خالقها لتخلعت مفاصلها ولهاً ولطارت الأرواح من أبدانها دهشاً 0 سبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباء 0 يا ذاهباً في شططه يا واقفاً مع غلطه يا معترضاً لعقوبة الأحد ما سخطه يا معرضاً عن الاعتبار سمعه يا مطلقاً لسانه في غلطه يا من لا يفرق بين صحيح القول وسقطه أما له عبرة بقرطبة أما هناك استدراك لفارطه إلى متى على قبيح غطه هلا عبأ متاعه في سقطه ألا حذر من في يد طاهي كلا لو صحا لاتعظ وأثر فيه اللوم وازدجر لكنه في غاية الغلظ أفسدته المعاصي فلم يظهر الشيب وانقرض لا يلتفت إلى من لام ولا من وعظ سيندم على تضييع ما كان احتفظ سيفر العلاج إذا زادت الكظظ سيخرس لسان طال ما لفظ من لم يبق من عمره إلا الأمل وهو للوزر العظيم قد حمل وأثقل سيعرض عليك من المعاصي مما دق وجل تراعى الخلق وتنسى حقه عز وجل قد سود صحيفته وملأها من قيح العمل حملت عليه الأمانة فتغافل عنها وضلَّ يدعى إلى الاستقامة ولكما قوم ذل لا يعرف ولا يقبل قد حله رحلة نحلة مناحلها من حل قد غره مكر سوف وأوثقه قيد لعلَّ إلام تمنى النفس ما لا تناله وتذكر عيشاً لم يعد متصرماً وقد قالت السبعون للهرى‏:‏ دعاني لشأني واذهبا حيث شئتما  

الفصل الثامن امقت نفسك وازدرها

إخواني‏:‏ من تفكر في ذنوبه تاب ورجع ومن تذكر قبيح عيوبه ذل وتواضع ومن علم أن الهوى يسكن تصبر ومن تلمح إساءته لم يتكبر 0 كان يزيد الرقاشي يقول‏:‏ والهفاه سبق العابدون وقطع بي وكان قد صام أثنين وأربعين سنة 0 وقال حذيفة المرعشي‏:‏ لو أصبت من يبغضنى حقيقة لأوجبت على نفسي حبة 0 فيا أيها العبد عُد على نفسك باللوم والمقت واحذرها فكم ضيعت عليك من وقت واندم على زمان الهوى فمن كيسك أنفقت ونادها يا محل كل بلية فقد والله صدقت 0 وروى وهب بن منبه‏:‏ أن رجلاً صام سبعين سنة يأكل كل سنة إحدى عشرة تمرة وطلب حاجة من الله فلم يعطها فأقبل على نفسه فقال‏:‏ من قبلك بليت لو كان فيك خيراً أعطيت فنزل إليه ملك فقال‏:‏ إن ساعتك هذه التي ازدريت فيها على نفسك خير من عبادتك وقد أعطاك الله حاجتك 0 وقال فضيل بن عياض‏:‏ أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي فقلت له‏:‏ إن كنت تظن أنه قد بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما ترى 0 وقال رجل لأبي الحسن الموسمى‏:‏ كيف أنت فقال‏:‏ خفيت أضراسي من أكل نعمة وكل لساني من كثرة ما أشكوه 0 يا واقفاً مع هواه وأغراضه يا معرضاً عن ذكر عوارضه إلى أعراضه يا غافلاً عن الموت وقد جد بمقراضه وعلم اندباغ عمر أغراضه سيعرف خبره إذ أحاط به أشد أمراضه وأخرج من خرات الديار وروضه وألقى في لحد وحيد يخلو برضراضه وعلم أنه باع أغراضه يا من بالهوى كلامه وحديثه وفي المعاصي قديمه وحديثه وعمره في خطايا خفيفه وأثيثه من له إذا ألحد في قبره من يغيثه من له إذا حامت حول حماه الردى ليوثه من له من كرب لا يرحم عطاشه من له من جحفل لا يهدم كباشه من له من لحدٍ لا يدفع حشاشه من له من جدث عمله في فراشه من له من قبرٍ فعل فيه معاشه من له من موقف لا يرد بطاشه من له يومئذ ولا يقوى نجاشه من له من حساب عقاب رذاذه يردى ورشاشه من يخلصه اليوم من هوى قد أسرته رشاشه كم عاهد ونكث كم آثر الهوى وعبث كم غره غرير بالسحر قد نفث تالله لقد بولغ في توبيخه وما أكترث ولقد بعث إليه ولقد بعث إليه النذير وما يرى من بعث قلبه مشغولٌ بالهوى ولسانه بالرفث كلما أصبح معاهداً وأمسى نكث ظاهر صحيح وباطن قبيح خبيث سيندم يوم الضريح من القبيح حرث سيبكي ندمان الهوى يوم الظمأ عند اللهث سيعرف حيرة المعاصي إذا حل الحدث سيرى سيره إذا ناقش السائل أو بحث سيفرغ السن ندماً إذا نادى ولم بعث عجباً لجاهل باع تعذيب النفوس براحات الجثث القلب أسير بالحزن والدمع غزير بالشجن والفكر يذيب القلب فما مثل الفكر على البدن‏!‏ كم بت ودمعي منهم لو يذرأ في وجدى ثمن واهاً لزمان طاب لنا وما أسرع ما ولى وفنى ما غردت الوراقى على غصن إلا وأهاجت حزني يا عيني أعيني قلباً قلقاً بالدمع ليطفئ نار الشجن أصبحت أسيراً في خطئي وذنوبي قد ملأت بدني أبكي زللي أبكي خللي أبكي عملي كي يرحمني من لي يوم الشدة ينقذني من كرب الموت يخلصني ونزلت وحيداً في جدث قفر وكأني من لبن أين الأقران وما قرنوا بالموت جميعاً في قرن كم سرت على ربع لهم وأطلت مسائلة الزمن يا دار حبيبي‏:‏ أين هم عهدي بهم قبل المحن قالت لي دارهم‏:‏ دارت بهم أماني الزمن أسرتهم قوة فهم أسراء الحيرة والحزن تركوا المال لغيرهم ولم يصحبهم غير الكفن تالله لقد سئلوا عما قد كانوا فيه من الفتن فتيقظ قبل لحاقهم من طول الرقدة والوسن 0 سارع إلى الجنة إخواني‏:‏ لقد خاب من باع باقياً بفان وخطر في ثوبي متوان وتغافل عن أمر قريب كان وضيع يوماً موجوداً في تأميل ثان أما الجنة تشوقت لطالبيها وتزينت لمريديها ونطقت آيات القرآن بوصف ما فيها وملأت أسماع العباد أصوات واصفيها كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها وتقسمها يوم القيامة أصحابها وغنت ألسن الأماني قريب قبابها 0 بُشرَها دَليلَها وقالا‏:‏ غَداً تَرينَ الطَلحَ والجِبالا روى أبو هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏قلنا‏:‏ يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها قال‏:‏ لبنة من ذهب ولبنة من فضة‏:‏ ملاطها المسك الأذفر وحصباؤها الياقوت والجوهر وترابها الزعفران من يدخلها ينعم لا ييأس ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه‏)‏ 0 روى أُسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوماً‏:‏ ‏(‏ما ذكر الجنة إلا مشمر إليها هي ورب الكعبة نور يتلألأ ونهر مطروز وزوجة لا تموت وحبور ونعيم مقام أبداً فقالوا‏:‏ نحن المشمرون لها يا رسول الله فقال‏:‏ قولوا‏:‏ إن شاء الله‏)‏ 0 روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وإن جنة الفردوس وسطها وأعلاها سماء وعليها يوضع العرش يوم القيامة ومنها تفجر أنهار الجنة قال رجل‏:‏ فداك أبي وأمي يا رسول الله فيها خيل قال‏:‏ نعم والذي بعثني بالحق إن فيها لخيلاً من ياقوت أحمر يروث بين خلال ورق الجنة يتراءون عليها فجاء رجل فقال‏:‏ بأبي وأمي فداك هل فيها صوت قال‏:‏ نعم والذي نفسي بيده إن الله عز وجل يوحى إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلهم ذكري في الدنيا عن عزف المزاهر والمزامير بالتسبيح والتقديس‏)‏ 0 يا نفس‏:‏ بادري بالأوقات قبل انصرامها واجتهدي في حراسة ليالي الحياة وأيامها فكأنك بالقبور وقد تشققت وبالأمور وقد تحققت وبوجوه المتقين وقد أشرقت وبرءوس العصاة وقد أطرقت 0 يا نفس‏:‏ أما الورعون فقد جدلوا وأما الخائفون فد استعدوا وأما الصالحون فقد راحوا وأما الواعظون فقد صاحوا 0 يا نفس‏:‏ اتعبي قليلاً تستريحي في الفردوس كثيراً كأنك بالتعب قد مضى وبحرصك من اللعب قد مضى وثمر الصبر قد أثمر حلاوة الرضا لا يطمعن البطال في إدراك الأبطال هيهات أن يدرك البطل المجتهد من غاب حين النزال فما شهد حفت الجنة بالمكاره فلا يوصل إليها إلا بالمضض كذلك كل محبوب يلذ وكل عرض من غير مشقة وإلا متى لم يبعد على طالبٍ المشقة‏:‏ العلم لا يحصل إلا بالنصب والمال لا يجمع إلا بالتعب واسم الجواد لا يناله بخيل ولا يلقب بالشجاع إلا بعد تعب طويل 0 لَولا المشَقَة سادَ الناس كُلَهُم الجود يفقر والإِقبالُ قتَّالُ أيها العبد‏:‏ إن عزمت فبادر وإن هممت فثابر واعلم أنه لا يدرك المفاخر من كان في الصف الآخر 0 سلع المجد كاسدة وكأن قد غلت ومراعى الفضل قريبة وكأن قد علت وكأنك بغايات الغفلات قد انجلت فأصبحت حلاوة البطالة من أفواه الغافلين قد رحلت وأصبحت رايات المجاهدين قد حلت وتفاوت في السباق مضمار وبطين كما تفاوت في الإحراق ماء وطين 0 لا تَحسَبَ المجدَ تَمراً أَنتَ آكِلُهُ لا تَبلُغ المجدَ حَتى تَلعَق الصَبرا فاصبر للبلايا فحينها يسير وأثبت للرزيا فأجرها كثير وأحسن قرى ضيف الهم بالصبر الغزير وتجلد على الظمأ فبين يديك ماءٌ غيرٌ 0 لا تجزَعَّنَ مِنَ المَنايا إِذا أَتَت واصبِر لِما تأَتي بِهِ الأَقدارُ فكأَن قَد انكشَفَت غيايات البلا وانجابت الآفات والأَكدار

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرقائق

كتبها المحتسب زاوي ، في 12 فبراير 2012 الساعة: 22:35 م


الشيخ 

محمد أحمد الراشد

 

الـــرقـــائــــق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مؤسسة الرسالة

 

الطبعة الرابعة 1401 هـ - 1981

مقدمة : النفس المؤمنة

 

 

انتـقاء و تجميع العناصر المتميزة بالذكاء والشجاعة من الشباب ، ثم تربيتها تربية عميقة شاملة صلبة : ركنان أساسيان في خطة الحركة الإسلامية .

وإنه - كما يقول أبو الحسن الندوي - : " لا بد من إنتاج الرجال الذين يقومون بالدعوة ويديرون دفتها ، ويربون الرجال ، ويملئون كل فراغ . وكل حركة أو دعوة أو مؤسسة مهما كانت قوية أو غنية في الرجال فإنها معرضة للخطر ، وإنها لا تـلبث أن ينقرض رجالها واحداً إثر آخر ، وتـفلس في يوم من الأيام في الرجال " [1].

·        على الحركة الإسلامية أن تتفرس في نفسها :

ولكن هذه التربية ليست اكتيال جزاف ، فإن أخص خصائصها أنها تلبي نداء الحاجات المرحلية ، وتعالج الواقع . وفي كل أدب أرشد إليه الإسلام خير ، ولكن طاقة ذي النية الصالحة محدودة ، فـواجب إقرار المفاضلة بين أجزاء هذا الخير ، والبدء بما هو أفضل ، وبما يسد حاجة المرحلة من بعد تشخيص النقص .

ذلكم هو الذي يوجب من بعدُ أن تتـفرس الحركة الإسلامية الحاضرة في نفسها فراسة خبرة ، في خلوة تأمل ، فتحدد نقصها ، وتحصي رصيدها ، ليأذن الله أن تصدق فراستها الأخرى في الناس ، وتحكم طريقها في هذا التصارع العنيف ، كما قال الزاهد الحكيم سمنون – رحمه الله – حين سئل عن الفراسة  وحقيقتها ، فأجاب :

( إن من تـفرس في نفسه فعرفها : صحت له الفراسة في غيره و أحكمها ) [2].

وإنه لمعنى رفيع يكشف عنه سمنون في هذه الحروف القليلة ، ويخولنا إياه ، لنتخذه منطلقاً لفراسة نقدية نصف فيها أنفسنا و نحدد نقصنا ، ثم تحويل الفراسة إلى دراسة نسلكها ينابيع في صفوف الدعاة بإذن الله ، فيخرج بها دعاة ، يصدقون بالصدق الذي جاءهم عن ربهم ، و يحفظون أمره .

ولقد شهد التاريخ القريب لأجزاء الحركة بعداً عن الموازنة في أساليب التكوين والتربية ، وطغياناً في جوانب على جوانب أخرى ، فترى منطقة غلبة الجانب التعبدي وتـزكية النفس ، وفي أخرى ترفاً فكرياً ، وفي ثالثة ولعاً بالمشاركة في أحداث السياسة اليومية ، فاختـلفت الصياغات .

ومن حيثيات كثيرة يعرفها أهل المعاناة : بدأ يتضح الخط التربوي المتكامل الموزون ، المستدرِك للنقص ، وتحددت ملامحه في غرس معاني :

v    الحرص على الصلاة و تـثـبـيـت العقيدة .

v    والالتـزام بأدب الأخوة .

v    و الفرح بالبذل و التعب اليومي .

v    والشوق إلى الجهاد و الاستشهاد ، من دون تهور .

v    والانضباط بالطاعة .

v    و التـقـلـل من الدنيا وطلب الخِـفّـة .

v    و ترقب الموت ونسيان الأمل الدنيوي .

v    وحب الله تعالى ، في رجاء يضبطه خوف .

v    و مفاصلة الذين كفروا والذين نافـقوا .

v    والصبر على المحن .

فمن تحقق في هذه المعاني فهو الصلب الذي يصح أن يعتمد ضمن القاعدة الصلبة للحركة الإسلامية .

وهذه الفصول مخصصة لبيان بعض هذه المعاني و التذكير بها ، من خلال مواعظ ترقق القلب ، وتعين النفس على اكتشاف الطريق الصحيح ، وتؤنسها إذ هي ماضية فيه ، فإن مَدار حركات هذه الحياة متصل بمحور النفس المترددة بين التـقوى و الفجور ، إن صلحت : كان لها ظل وارف يهب الأمن لصاحبها ، و مُتسعاً للآخرين ، في امتداد بمقدار هذا الصلاح . وإن فسدت : كان ثَمّ اضطراب ، و جحيم من القلق .

فمن أجل التـنبيه على جمال النفس المؤمنة و الحث على الاقتداء بِسَمْتِها : جاء هذا الكتاب .

ويعجبني جداً وصف الشاعر التونسي أحمد المختار الوزير للنفس البريئة ، ورمز لها رمزاً ، جعلها كأنها فراشة ، واقترب كل الاقتراب من إدراك كمال الحقيقة ، تسوقه فطرته إلا أنه لم يمسكها ، وفاتَه أنه يصف النفس المؤمنة بأبلغ مما وصفها غيره ..

إنها تأسره إذ هي :

ساكنة ، في صَمتها ، أبْيَنُ ممّن يَنْطقُ

هكذا هي السيماء الإيمانية : وداعة ، و تفكّر ، و تأمل هادئ ، في إقلال من الكلام ،  وبعد عن اللغو ، ولكن تحوطها هيبة مؤثرة ، وجَمال بليغ مفصح .

و إن وَنَتْ وَقْفَتُها : أعْجَلَها المنطلَقُ

فالوقفات سُنة من سنن الحياة ، وقدر مقدور على البشر ، إلا أنها عند المؤمن لن تكون استرخاءً  وغفلةً و تمادياً أبداً ، بل هي تعتري برهة ، ثم تُجْليها محفَّزات كامنة ، من رصيد ذاتي مجموع أو تراث حكمة مركوز .

لكن الشياطين تعترض ، تحاول عرقلة هذا المنطلق ، توهم صاحبه ، وتضع العوائق الثـقال  في صور من الزينة ، لها بهرج ، و تألق ، و بريق ، تغش النفس الهائمة ، ولكن النفس الملهَمة ، التي أُلهمت إيمانها ، ترى ما وراء ذلك من حقائق تفضح ما خفي من كبرياء مفتعلة ، أو حسد موسوِس ، أو صدارة متأخرة ، أو حب زيادة مال زائل . فذلك هو حوم الفراشة حول ومضات صورتها على سطح البحيرة .

أو هي تجربة النفس المؤمنة ..

لكم رأت خيالَها ، ماجَ به المنْبَثَقُ

كأنه النجمُ يرفُّ ، والمياه الأفقُ

فحوَّمَتْ ، ترنوا ، تَودّ لو به تّعْتّلِقُ

و أَوشكتْ ، لو لم تُفِق ، يقضي عليها الغرَقُ

لكنها مؤمنة ، هيهات ، لا تستحمِقُ

بين الضلال  والهدى : يبدو لها المفترَقُ

نعم هكذا : المفترق واضح ، والاقتراب يفضح الصورة ، ويزيد الوضوح وضوحاً ، ويبين أنّ ما ظنته النفس تألقاً من على بُعد  إن هو إلا اهتـزاز .

ولكن كيف النجاة مع هذا الاقتراب من موجة عالية تفجأ ، فتترك بَلَلاً يُثقِل ، إن لم يكن الغرق المتلف ؟

من هنا وجبت الموعظة ،  وانبغى التحذير ، في كلام كمثل هذه الرقائق ، كي لا تهبط النفس المؤمنة ، إذ آمنت ، بشيء من رذاذ الاقتراب ، بل حياتها في السمو ، و نجاتها في العلو .

إنها قطعة من البيان نادرة أتى بها الشاعر ، و أهداها الناشئة ، لكنها حكمة المنتهين .

وليس ذلك بمستغرب في عرف الحكمة الإسلامية ، فإنها أبدية الصواب ، ليس لها مرحلة متطورة جاءت من بعد سذاجة و تخلّف ، لكنها كما تصلح انتهاء : كانت تصلح توسطاً ، وصلحت ابتداء ، مع بدء الحياة البشرية ، وآية ذلك أن التوحيد أُوحي إلى آدم عليه السلام ، بدءَ الحياة ، وكان نبياً ، و أُلهمت التقوى إلى هابيل ، فكفَّ يدَه .

فانظر إشراقة القلب ولطف الإحساس في هذا الرمز المفصح عن طبائع النفس الزكية ، وانظر بمقابلة غلظ حجاب قلب شاعر ملحد يدعو إلى البهيمية ..

إنما العيشُ في بهيمة اللذة *********** لا ما يقوله الفلسفي

حكمُ كأس المنونِ أن يتساوى **** في حساها الغبي و الألمعي

و يصير الغبي تحت ثرى الأرض **** كما صار تحتها اللوذعي

فسل الأرضَ عنهما إن أزال **** الشكَّ و الشبهةَ السؤالُ الخفي

وواضح هنا أن هذا الملحد أشار إلى أن المعاني الحقة هي قول الفلسفي ، لا قول الواعظ المسلم ، ليتجنب في ظنه ما قد يكون من اتهامة بالمروق عن الدين .

قال أبو حيان التوحيدي : سمع أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني المنطقي هذه الأبيات فقال : " هذا النمط مفسدة للشباب الأغرار ، الذين ليست لهم بصيرة في الأمور ، وهم عبيد الاحساسات الوافدة بالعادات الفاسدة ، والاعتقادات الرديئة بتلقين قرناء السوء ، وقائل هذا قد عاند الدين ، وخلع ربقة الحياء ، و افصح عن الفساد ، وصَدّ عن الحكمة ، و قدح بزند الشبهة في النفوس الضعيفة ، والعقول الخفيفة .

يا مسكين : أَمِن أجل أن الصالح و الطالح و العالم و الجاهل صاروا تحت التراب : يتساوون في العاقبة ؟

أما تساوى قوم سافروا من بلد إلى بلد ، فلما بلغوا المقصد : نزل كل واحد في مكان معداً له ، وتُلقي بغير ما يُلقى به صاحبه ؟

أما دخل قوم داراً فأُجلس كل واحد منهم في بقعة بعينها وقوبل هذا بشيء و هذا بشيء آخر ؟

ثم تقول : سل الأرض عنهما ‍‍‍‍؟؟

قد سألنا و خبرتـنا : أنها ضمت أجسادهم و جثثهم و أبدانهم ، لا كفرهم و إيمانهم ، و لا أنسابهم و أحسابهم ، ولا حكمتهم و سفههم ، ولا طاعتهم و معصيتهم ، ولا أقوالهم  وأفعالهم ، ولا يقينهم و شكهم ، ولا زهادتهم و تسبيحهم ، ولا معرفتهم و توحيدهم ، ولا خيرهم و شرهم ، ولا جورهم و عدلهم " .

وفي مثل هاتين القطعتين من الشعر ، وفي التعقيب الذي عليهما ، تتضح بعض جوانب المعركة الدائمة بين الإيمان و صور الضلال .

وفي مثل هذا الكتاب مواعظ ، و إخبات ، وزيادة يقين …..


1- تسبيح يَشدّ الملك

 

دعوة تريد أن تستـقيم إلى الله .

فعليها أن تدلف من باب الاستـقامة إذن . وبابها المحراب .

وهكذا ، فإن على الدعوة الإسلامية في كل وقت أن تبدأ عملها من المسجد ، فتصلح العقيدة ، وتعلم دعاتها أدب التعامل الإسلامي ، وبذلك تسقط تـلقائياً كل المقاييس الأخرى في التـفاضل ، من جودة الكتابة ، و بلاغة اللسان ، و بهرج الشهادات الجامعية .

وإنما جماع الخير في ارتياد المسجد ، وذخيرة المسجد نعم زاد الانطلاق . ولقد أحصاها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقال :

" من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال :

آية محكمة

و أخاً مستفاداً

و علماً مستطرفاً

و رحمة منتظرة

وكلمة تدله على هدى ، أو تردعه عن ردى . وترك الذنوب حياء ، أو خشية "[3]

" فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع . هو فكر واحد لكل الرؤوس ، ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل . وكما يشق النهر فتـقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم , يقام المسجد فتـقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله " [4].

" فما المسجد بناء ولا مكاناً كغيره من البناء والمكان ، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله و يضطرب ، فإن الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها ، وهذه كلها يمحوها المسجد ، إذ يجمع الناس مراراً في كل يوم على سلامة الصدر ، وبراءة القلب و روحانية النفس ، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه و أسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء ، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد ) [5].

ولقد تـفاعل الموفقون مع هذه الأعطيات التي تمنحهم إياها مساجدهم ، فولعوا بها ، و شدوا إليها شداً أنطق الشاعر بالصدق فوصفهم بأنهم :

يمشون نحو بيوت الله إذ سمعوا **** ( الله أكبر ) في شوق وفي جذل

أرواحهم خشعت لله في أدب **** قلوبهم من جلال الله في وجل

نجواهم : ربنا جئناك طائعة **** نفوسنا ، وعصينا خادع الأمل

إذا سجى الليل قاموه و أعينهم **** من خشية الله مثل الجائد الهطل

هم الرجال فلا يلهيهم لعب **** عن الصلاة ، ولا أكذوبة الكسل

ثم ما برح أئمة الموفقين يلحون في التوصية بذلك ، ابتداء بالصدر الأول ، كمثل عبد الله بن المبارك حين يقول :

اغتنم ركعتين زلفى إلى الله **** إذا كنت فارغاً مستريحاً

و إذا هممت بالنطق بالباطل **** فاجعل مكانه تسبيحاً [6]

و انتهاء بقادة الدعوة في هذا القرن ، كمثل الإمام البنا حين يوصي أن :

" أيها الأخ العزيز :

أمامك كل يوم لحظة بالغداة ، ولحظة بالعشيّ ، ولحظة في السحر ، تستطيع أن تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ ، فتظفر بخير الدنيا والآخرة . وأمامك يوم الجمعة وليلتها تستطيع أن تملأ فيها يديك و قلبك وروحك بالفيض الهاطل من رحمة الله على عباده ، وأمامك مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القربات التي وجهك إليها كتابك الكريم ورسولك العظيم ، فاحرص على أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين ، ومن العاملين لا من الخاملين ، واغتـنم الوقت ، فالوقت كالسيف ، ودع التسويف فلا أضر منه " [7]

وكمثل الإمام بديع الزمان سعيد النورسي حين يخاطبك و يقول : " رُكِّبتَ من القصور والفقر والعجز و الاحتياج ، لتـنظر بمرصاد قصورك إلى سرادقات كماله سبحانه ، وبمقياس فقرك إلى درجات غناه و رحمته ، و بميزان عجزك إلى قدرته و كبريائه ، ومن تـنوع احتياجك إلى أنواع نعمه و إحسانه .

فغاية فطرتك هي العبودية .

و العبودية أن تعلن عند باب رحمته قصورك بـ( أستغفر الله ) و ( سبحان الله ) .

و فقرك بـ ( حسبنا الله ) و بـ ( الحمد لله ) ، و بالسؤال . و عجزك بـ( لا حول و لا قوة إلا بالله ) و بـ ( الله أكبر ) ، و باستمداد .

فَتُظْهِر بمراتب عبوديتك جمال ربوبيته " [8]

و كمثل الإمام المودودي – رحمه الله – حين يتحدث عن بعث الرسل عليهم السلام لتحقيق غاية العبودية في الأرض ويقول : " انظروا قليلاً في ما تحرّى النبي صلى الله عليه وسلم من التدرج والترتيب للبلوغ إلى هذه الغاية ، فقد قام بدعوة الناس – أولاً و قبل كل شيء – إلى الإيمان ، و أحكمه في قلوبهم ، وأتـقنه على أوسع القواعد و أرحبها ، ثم نشأ في الذين آمنوا تعليمه و تربيته طبقاً لمقتضيات هذا الإيمان تدرجاً بالطاعة العملية – أي الإسلام – و الطهارة الخلقية – أي التـقوى – و حب الله والولاء له – أي الإحسان . ثم شرع بسعي هؤلاء المؤمنين المخلصين المنظم المتواصل في تحطيم النظام الفاسد للجاهلية القديمة و استبدال نظام صالح به ، قام على القواعد الخلقية و المدنية المقتبسة من القانون الإلهي المنزل من الرب تعالى . ثم لما أصبح هؤلاء الذين آمنوا ولبوا دعوته من كل وجهة – بقلوبهم وأذهانهم ونـفوسهم وأخلاقهم وأفكارهم وأعمالهم – مسلمين متـقين محسنين بالمعنى الحقيقي ، وانصرفوا بأنفسهم إلى ذلك العمل الذي ينبغي لعباد الله المخلصين الأوفياء أن ينصرفوا إليه إذن ، وبعد كل ذلك أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يرشدهم إلى ما يزين حياة المتـقين المحسنين من الآداب والعادات المهذبة في الهيئة والملبس والمأكل والمشرب والمعيشة والقيام و الجلوس ، وما إلى ذلك من الشؤون الظاهرة . وكأنني به فتن الذهب و نقاه من الأوساخ و الأقذار أولاً ، ثم طبع عليه بطابع الدينار ، ودرب المقاتلين أولاً ، ثم كساهم زي القتال . وهذا هو التدرج الصحيح المرضي عند الله في هذا الباب كما يبدو لكل من تأمل القرآن و الحديث و تبصر فيهما "[9]

 

·        أجب نبيك صلى الله عليه وسلم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( من تطهر في بيته ، ثم مشى  إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله ، كانت خطوتاه أحدهما تحط خطيئة ، والأخرى ترفع درجة ) [10]

وقال : ( من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح ) [11]

وقال : ( أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، و الذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام )[12]

و عن جرير رضي الله عنه قال : ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة ) [13]

و سأله ابن مسعود : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : ( الصلاة على وقتها ) [14]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها و خشوعها و ركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأتي كبيرة ، و كذلك الدهر كله ) [15]

وكانت آخر ابتسامة للنبي صلى الله عليه و سلم في الدنيا : ابتسامته للصلاة ، و ذلك لما كشف ستر الحجرة يوم الإثنين فرأى أبا بكر يؤمّ الصفوف .

وحث على صلاة الفجر وصلا ة العشاء فقال : ( من صلى البردين دخل الجنة ) [16]

وقال – وقد نظر إلى البدر - :

( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس و قبل غروبها فافعلوا . ثم قرأ : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب }[17]

و قال : ( الذي تـفوته صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهله و ماله ) أي فقدهما ، وفي لفظ : ( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) [18]

فأنت أيها الداعية ما بين ترهيب ينذرك النبي صلى الله عليه و سلم فيه حبوط العمل  وترغيب يشوقك فيه إلى قصور الجنة و رؤية الله فيها ، فأجب ، و إنه لثمن يغري و يطمع و يحرص عليه قبل الكساد ، وكن عند حسن ظن الفضيل ابن عياض فإنه تحدى وقال : ( ما حليت الجنة لأمة ثم لا ترى لها عاشقاً ) ، عاشقاً يخرج من أجلها في البردين ، وقل له : إني أنا العاشق .

فإن وجدت من نفسك ثقلاً و تكاسلاً فهناك مخاطبة لطيفة يمكن لك أن تخاطب بها نفسك فتـقول : هب أنك من العسكريين ، أو من عمال المخابز ، أو الصيادين أو .. ، أما كان يجب عليك التبكير في الاستيقاظ قبل الموظف و الطالب طاعة للنظام العسكري أو تـنافساً في طلب الرزق ؟ فالله سبحانه أحق أن يطاع ، وصلاة الفجر أحق أن ينافس فيها . فبمثل هذه المخاطبة لنفسك يحصل الحث لها إن شاء الله إن تراخت واستأنست بالنوم .

و إذا ألممت بذنب أو خطأ فاستدرك بالركوع ، فإن داود عليه السلام لما جاءه الخصم يختصمان في النعاج انتبه و استدرك و وصف الله تعالى انتباهه فقال : { وظن داود أنما فتـناه فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب * فغفرنا له ذلك ) [19]

فجعل الاستغفار و الركوع طريقة ، يعلم بذلك الدعاة أن يركعوا .

 

·         حرص الأولين على الصلاة

وكان السلف الصالح يستحبون الأناة في كل شيء ، إلا في الصلاة ، فقد قيل للأحنف بن قيس رضي الله عنه : ( إن فيك أناة شديدة ) فقال : ( قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها ) [20]

وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له : ( الصَفّي ) ، لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة [21].

و مثله : إبراهيم بن ميمون المروزي ، أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبي رباح ، وكانت مهنته الصياغة و طرق الذهب و الفضة . قالوا : ( كان فقيهاً فاضلاً ، من الآمَّارين بالمعروف . وقال ابن معين : كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردها ) [22].

وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط وقد أمَّ أهل حمص ستين سنة كاملة ، فقال : " ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله " [23]

وقال قاضي قضاة الشام سليمان بن حمزة المقدسي ، وهو من ذرية ابن قدامة صاحب كتاب المغني : " لم أصلّ الفريضة قط منفرداً إلا مرتين ، وكأني لم أصلهما قط " [24]

مع أنه قارب التسعين .

و الداعية السعيد من يتأمل و يقتدي .

 

·        دعوة تتعلم من داود

وكان داود عليه السلام يسبح بالعشيّ و الإشراق ، فسخر الله تعالى الجبال يسبحن معه ، وقال : { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق } ، فوهبه الله هبة عظمى ذكرها فقال : { وشددنا ملكه } [25]

و دعوة تدعي أنها إسلامية لا يشد ملكها اليوم و تغلب مالم يسبح رجالها بالعشي و الإشراق .

وإن التواصي بالصلاة لحسنة نقترفها يزيد الله لنا فيها حسناً ولا بد لنا أن نجعلها كلمة باقية في عقبنا من أجيال الناشئة الجدد ، فإن لم نفعل ، فإن عقد الدعوة سينفرط – لا سمح الله – انفراطاً  ما له من فواق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2- الدقائق الغالية

سجود المحراب ، واستغفار الأسحار ، و دموع المناجاة : سيماء يحتـكرها المؤمنون .

ولئن توهم الدنيوي جناته في الدينار ، والنساء ، والقصر المنيف ، فإن :

 

·        جنة المؤمن في محرابه [26]

ولقـد منَّ الله على الناس بكثير من المباح الحلال يفند الرهبانية ، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه بصفاء روح ، تتضاءل بجانبها لذة المباح ، فيهجر الكثير منه حذراً من كدر يعكر الصفاء الذي هو فيه .

جرب ذلك المؤمنون قديماً ، زمن العيش البسيط ، وجربه المؤمنون اليوم ، زمن المدنية المعقدة .

بل إن الصلاة في يوم هذه المدينة لأظهر في إضفائها السرور ، فبينما يطيل التعقيد على الإنسان حياته الحاضرة ، فيسأم ، ويمل ، و يضجر ، تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب ، فيعيش في اطمئنان ، وراحة بال ، ولئن كان لنظرية آينشتاين في نسبية الوقت نصيب من الصحة ، فإن في الصلاة هذا النصيب ، كما يشرحه مصطفى صادق الرفاعي و يقول :

" يا لها حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات ، لتبقى الروح أبداً إما متصلة أو مهيأة لتتصل ، ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه ، فخاف أن يقـف بين يديه مخطئاً أو آثماً ، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى ، وأنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس و طهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير ، كأنه بجملته – مهما طال – عمل بضع ساعات " [27]

فطول الحياة نسبي .. هو طويل جداّ ، مخيف مظلم للجاهلي .. وهو قصير ، هين منير للمصلي .

وحياة الجاهلي ركود مستمر . و حياة المصلي حركة ، تـزيد صواباً ، أو تستدرك اعوجاجاً .

و إنها ( الله أكبر ) تـنهي هذا الركود ، و تؤسس الحركة ( الله أكبر ) .

بين ساعات و ساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف : " أيها المؤمن : إن كنت أصبت في الساعات التي مضت ، فاجتهد للساعات التي تتلو . و إن كنت أخطأت فكـفّـر ،  وامح ساعة بساعة " [28]

وأظهر حركة يولدها التكبير : حركة التمييز و الفرقان ، بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان .

فـإنك إن قـلت : { اهـدنا الصراط المستـقيم * صراط الذين أنعمت عليهـم غير المغـضوب عليهم ولا الـضالين }

استشعرت في كل ركعة طائفة من هذه الأصناف الثلاثة ، و تخصص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد ، أو بلد واحد ، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع ، وتستعـرض تاريخ الإسلام أجمع .

ففي ركعة تذكـر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأطهار رضي الله عنهم مثلاً لمن أنعم الله عليهم ، و تذكر أبا جهل ومسيلمة مثلاً للمغضوب عليهم والضالين .

وفي ركعة أخرى تذكر هوداً وصالحاً - عليهم السلام - مثلاً ممن أنعم الله عليهم ، وعاداً وثمود من الهالكين .

وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين و ابن المسيب ممن أنعم الله عليهم ، و أهل الردة ، و الجهم بن صفوان ، و الجعد بن درهم من المتخبطين .

وفي أخرى تذكر الإمام أحمد بن حنبل ورهطه من المحدثين الموفقين، وبشراً المريسي وابن دؤاد من الظالمين .

وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين ، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم و الشطح والابتداع من المدلسين .

وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد ، وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين .

وبذلك تعـقـل صلاتك ، والمرء ليس له من صلاته إلا ما عـقـل منها ، و تجدد عهدك مع أجيال المؤمنين ، وتـنبذ المفسدين ، وتـلك هي حركة الإيمان ، فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء ، وتركك على المفاصلة .

 

·        رجال مدرسة الليل

ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون .

فمن ثم كانت مدرسة الليل .

وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون} وإذا انتصف الليل ، في القرون الأولى ، كانت أصوات المؤذنين ترتفع تـنادي :

يارجال الليل جدوا **** رب صوت لا يرد

مـا يـقـوم الـلـيل إلا **** مـن لـه عـزم وجِـدُّ

و إنها حقاً لمدرسة ، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكوا شعلة حماستهم ، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية .

و إنها تجربة إقبال يوجزها فيقول :

نـائح والـلـيـل سـاج سادل **** يـهجـع الناس و دمـعي هـاطل

تصطلي روحي بحزن وألم **** ورد ( يا قوم ) أنسي في الظلم

أنـا كالـشـمع دمـوعي غـسـلي **** في ظلام الـليـل أذكي شعـلي

مـحفـل الناس بـنوري يشـرق **** أنـشر النور و نـفسي أحرق [29]

و إن دعوة الإسلام اليوم لا تعتـلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل ، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين مالم تلهج بـ( يا قيوم ) .

ما نقول هذا أول مرة ،  وإنما هي  وصية الإمام  البنا حين خاطب الدعاة فقال :

" دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة " [30]

أفعيينا أن نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل و التسيب و الكسل جديد ؟

إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنا أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقـل المغرم ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسراً .

إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح إلى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، و وعت هذا الكلام أذن واعية : كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة .

ذلك شرط لا بد منه .

و كأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات ، وجهرنا رافعين أصواتـنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال ، نبيعه و نثبت لنا حقاً عاجلاً في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همساً في الأسحار ، ولا الدمع المدرار ، و إنما النصر هبة محضة ، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا ، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئاً ، ويوقع أجرهم عليه .

إن تعلم الإخلاص ، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل ، كما يقول وليد ، وذلك ما توجب تربيتـنا تركيزه وتعميقه في  النفوس . قال ، والحق ما قال :

ياليل قيامك مدرسة **** فيها القرآن يدرسني

معنى الإخلاص فألزمه **** نهجاً بالجنة يجلسني

و يبصرني كيف الدنيا **** بالأمل الكاذب تغمسني

مثل الحرباء تلونها **** بالإثم تحاول تطمسنى

فأباعدها و أعاندها **** و أراقبها تتهجسني

فأشد القلب بخالقه **** والذكر الدائم يحرسني [31]

وأكثر من هذا فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس قاس تـقسو قلوب الناظرين إليه، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم ، شاهده وأرشدك إليه, فقال :

" بحسبك أن قوماً موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأن قوماً أحياء تـقسو القلوب برؤيتهم " .

فلم كان ذلك أن لم يكن ليل الأولين يقظة ، وليل غيرهم نوماً ؟ ونهار الأولين جداً ، ونهار الآخرين شهوة ؟

 

·        أتسبقك الحمامة ؟

وإنه لقـلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي ، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله :

أنام على سهو و تبكي الحمائم **** وليس لها جرم ومني الجرائم

كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلاً **** لما سبقتـني بالبكاء الحمائم [32]

فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع  ، و الشجاعة تسقى بدموع الليل ، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك ، ولم يقل ابن القيم باطلاً في وصفه لهم بأنهم :

يحيون ليلهم بطاعة ربهم **** بتلاوة ، وتضرع و سؤال

وعيونهم تجري بفيض دموعهم **** مثل انهمال الوابل الهطال

في الليل رهبان ، وعند جهادهم **** لعدوهم من أشجع الأبطال

بوجوههم أثر السجود لربهم **** وبها أشعة نوره المتلالي [33]

و سَأَلَ عبد الوهاب عزام الليل عن أروع أسراره ، فأبان جوابه عن إصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه و استمع لتحاورهما :

قلت لليل : كم بصدرك سر **** أنبئني ما أروع الأسرار ؟

قال : ما ضاء في ظلامي سر **** كدموع المنيب في الأسحار[34]

أفترى المؤمنين إلا مصدق بجواب الليل ، فهو مسارع مستبق ؟

أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال ؟ يستملون الناس :

فاز من سبح والناس هجوع

يدفن الرغبة ما بين الضلوع

و يغشيه سكون و خشوع

ذاكراً لله والدمع هموع

سوف يغدو ذلك الدمع شموع

لتضيء الدرب يوم المحشر             سجدة لله عند السَحَر[35]

و يلقنون المذنبين المخطئين طريق الجنة ، فيستملون المسرف في أخرى أن :

عد إلى الله بقلب خاشع

وادعه ليلاً بطرف دامع

يتولاك بعفو واسع

و يبدل كل تلك الحسنات         حسنات أجرها لن ينفدا

كل هذا العفو للعبد المنيب

سابغا من خالق الكون الرحيب

للذي تاب إليه من قريب [36]

 

 

3- الابـــتـــدَاء

 

كل ممارس للعمل التربوي الإسلامي الحركي يلحظ لا بد ظاهرة سقوط البعض وتراجعهم ، فأنت ترى داعية سالكاً مع السالكين ، و تظن أنه سيثبت ، و لكنه يخيب ظنك أثناء الطريق ، بأن تصدمه رهبة أو رغبة ، أو يستأسر لنداء نفس وهوى ، فيغتر ، و يستولي عليه التيه إدلالاً وامتـناناً ، فيصيبه الفتور .

وربما استعصى تعليل مثل هذه الظاهرة حيناً ، ولكن تـفرّسنا في أنفسنا ، و التـنقيب عن الفقه التربوي في آثار رجال التربية الأقدمين : بدأ يرينا ملامح من التـفسير لها ، إن وُعِيت حق وعيها لكان فيها بإذن الله ثبات القـلوب ، ولوُقِينا زلل الأقدام بعد ثبوتها .

 

·        هو صفاء الابتداء

فأما الشاعر : فيشير إشارة عامة إلى تـفسير مثـل هذه الظاهرة ، ويـقول :

وكل امرئٍ - والله بالناس عالم - **** له عادة قامت عليها شمائله

تـعوّدها فـيمـا مضى مـن شـبابه **** كـذلك يـدعو كـل أمـر أوائـله

والشاهـد فيه : الشطـر الأخير ، فكـل أمـر تغـلب عليه الصفـة التي بدأ بها .

ولكن أساتذة التربية الأوائل قربوا أدنى من الشاعر ، فاتضح وانكشف لنا مذهبهم ، بما فصّلوا وعينوا من معنى أوائل الأمور .

منهم من صاغ ذلك في حروف قليلة شاملة ، فقال : " الفترة بعد المجاهدة : من فساد الابتداء " .

ويريد بالفترة : الفتور .

فهـو الابتداء إذن ، أي الخطوات الأولى للداعية المسلم في طريق الدعوة الموصل إلى الله ، تـكون صحيحة ، فيرتـقي بلا فتور ونكوص ، وإن فتـر فبـمـقـدار لا يتعدى أدنى ما أثـر من سنّـة النبي صلى الله عليه وسلم . وتـكون معيبة هذه الخطوات ، فيفتـر و ينكص عن الارتـقاء .

ولكن من أين يعترض الداعية الفتور إذا دفعه مربّوه بـقوة أول مرة ؟

و كيف لا يتسارع في يومه وغده سير من قطع به أمسه مرحلة نحو غايته ؟

و من أيقن أنه يتبع رسولاً من أولي العزم ، صلى الله عليه وسلم ، فكيف لا يستمد من عزمه ؟

فهي الخطوات الأولى إذن : من جعلناها له متـقنة : ثبتت بعد ذلك قدمه ، بما يشاء الله ، ومن تركناه يضطرب فقـد أعطينا لشيطانه المقص يقطع به حبل ما بيننا و بينه ، يتربص لذلك غـفـلة .

فإن لم يحصل الشيطان على المقـص ، وفاتته المفاجأة ، فإنه يقنع بأن يمسك طرف الحبل يفلّ خيوطه بتدريج  ، ويلقي في نفس من اعوجت بدايته الدعاوي ، ويريه قليل خيره وعمله كثيراً ، حتى يستولي عليه الغرور والتطاول ، فيرتكس هالكاً .

وهذه العقدة الثانية للشيطان أبصرها آخر من الصالحين ، ووصفها يحذرنا ، فقال : " إنما تتولد الدعاوي من فساد الابتداء ، فمن صحت بدايتـه : صحت نهايته ، ومن فسدت بدايته : فربما هلك " .

بل يهلك في الأغلب ، فإن مبني البداية على التجرد ، فإذا حرم من صفائه في الأول فإن بنيانه يظل مهتـزاً مهما شمخ عالياً ، بل الخطر كل الخطر عليه في الحقيقة إذا شمخ ، فإنه يسرع إلى التمايل عند كل نداء ببدعة أو دعوة لمغنم ، لأن من شأن الشيطان أن يزين البدعة و يجملها ، و أن من شأنه أن يستغل وقت الحاجة ليغري ، ولئن تردد هذا الرجل الصالح فذكر مجرد الاحتمال و استعمل كلمة ( ربما ) ، ولئن تردنا فاقتصرنا على ( الأغلب ) ، فإن ثالثاً قد جزم بذلك فقال : " من لم يصح في مبادئ إرادته : لا يَسلم في منتهى عاقبتـه " .

وما هو بنسيان منه لمشيئة الله تهدي و تـثبت من يختار ، ولكنه يتحدث عن تجربتـه في التربية ، ويقدم تـقريره عن نتائج تـفتيشه واستـقـراء أحوال من عرفهم .

وهكذا تـكون عنايتـنا بالابتداء خطاً بارزاً ظاهراً في فنّناً التربوي الحركي .

 

·        وهي النية الحرة

وإنما يعنون بصفاء الابتداء معنيين يتتابعان في توال ، فيتلازمان : النية الصالحة ، والهمة العالية ، حصرهما البحتري في شطر مبين و سماهما :

 نفس تضيء ، وهمة تتوقد [37]

و النفس المضيئة كناية عن النفس التي احتوت نية صافية ، فهي تـنير بما يكون لها من هذا الصفاء .

وهي : ( النية الحرة ) التي ذكرها البحتري أيضاً في بيت آخر[38] ، فأحسن الوصف وأجاد ، فكأنها حرة مما يقيد غيرها ، من الأهواء والأطماع والمصالح ، لم يستعبدها درهم ولا دينار ولا جمال أنثى ، ولم تكن رقيقاً لمنصب أو شهوة .

فالداعية لا يصدر قط عن شهوة ، ولا طلب مصلحة ، و إنما له في كل حركة وسكنة تطلعات إلى الأجر .

وكذلك كان الصالحون .

وبهذا الوصف وصف هشام بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز الأموي رحمه الله فقال : " ما أحسب عمر خطا خطوة قط إلا وله فيها نية " [39] . ولذلك استطاع عمر في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين ، وعلى داعية الإسلام اليوم أن لا يستـكبر عظم الانحراف الذي عمّ بلاد الإسلام ، فإنه – إن قَرن كل خطوة بنية مثل الراشد الخامس – سيهزم حزبين بإذن الله في أقل من سنتين .

و يتعاظم الخير في عقود المؤمنين مع الله كلما زاد تجردهم حين العقد ، ولذلك رأت الدنيا عظم الخير في ولاية عمر بن عبد العزيز لما تجرد سليمان بن عبد الملك رحمه الله محض التجرد حين عقد له واستخلفه وقال :

" لأعقدنَّ عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب " [40] .

بل العمل الصغير بالنية يعظم ، كما يشير عبد الله بن المبارك في قوله : " رُب عمل صغير تعظمه النية ، ورب عمل كبير تصغره النية " .

ومعقود اللسان من الدعاة يصبح بالنية ناثراً من فيه جواهر البلاغة الآسرة للناس ، كما ينص على ذلك طب عبدالقادر الكيلاني في قوله : " كن صحيحاً في السر : تكن فصيحاً في العلانية " [41]

وأما المخلط في نيته فيخلط عليه في أموره وسيرته ، كان ذلك في التاريخ على أهل التخليط حتماً مقضياً ، وهو المعنى الذي كشفه التابعي الجليل مُطرَّف بن الصحابي الجليل عبد الله بن الشخِيّر العامري في قوله : " صلاح العمل بصلاح القـلب ، وصلاح القـلب بصلاح النية ، ومن صفا : صُفّي له . ومن خلط : خُلَّط عليه " .

ونتيجة التخليط أن يضطرب القلب في فوضى تعدم السكينة ، و " إن الخطأ الأكبر أن تـنظيم الحياة من حولك ، وتترك الفوضى في قلبك " ، كما يقول مصطفى صادق الرفاعي [42] .

فاعرف سياسة النفس هذه أيها الداعية ، وأتقِن ولوجها قبل ولوج سياسة الحكم ، فإنه : " فرض على العامل أن يعرف النية من الأمنية " , كما قيل .

فهناك نية وهناك أمنية ، والأمر كما قال يحيى بن معاذ : " لا يزال العبد مقروناً بالتواني , مادام مقيماً على وعد الأماني " [43] .

وما اختار أحدٌ الأماني تـقوده إلا كان أثـقـل ما يكون خطواً ، ووجد ثَم السراب الخادع ، وعّدِم الماءَ وقت العطش ، وأما المضيء النفس ، ومن لا أمنية له من الدعاة ، فإنك تجده سبّاقاً إلى كل خير أبداً ، وتجده على ري دوماً فإنه  إن كان ذا قوة : استـقى لنفسه ، أو استسقى ، فيجيبه الله بهطل من السماء ، وإن كان مستضعفاً : وجد وريثاً لموسى عليه السلام ، يسقي له ويزاحم الرعاع .

 

·         وهو قدم الهول

والهِمّة قرينة النية ، فلا شيء بعد النية قبلها ، وكل الاتـقان بعدها ، ومن أكسبها من المربين تلاميذه عند خطواتهم الأولى فقد ضمن لهم الاستمرار إن شاء الله , و قد قيل : " همتـك احفظها ، فإن الهمة مقدمة الأشياء ، فمن صلحت له همته وصدق فيها : صلح له ما وراء ذلك من الأعمال " .

ويمثل لها ابن القيم بمثل لطيف ، فيقول : " مثل القلب مثل الطائر ، كلما علا : بعد عن الآفات ، وكلما نزل : احتوشته الآفات " [44] .

فكما أن الاستعلاء بالهمة يبقي القـلب نظيفاً بريئاً من المعنى الخسيس مشغولاً بالعظام ، فإنه أيضاً يقي القلب الآفات والأمراض  وسهام الشيطان ، كما تـقي نهضة الجناحين الطائر سهام الصياد ، و مهمة المربي المسلم : أن يعلم الناشئ هذه النهضة العالية في مبادئ محاولاته .

و نهضة الجناحين هي بدورها كناية عن النفس التي احتوت تصميماً على حمل أثقال الدعوة إلى الله ، فإن الجديد في سلك الدعوة إن فهم الدعوة في الأول مجرد تـزكية نفس ، و صحبة أخيار ، وبث أشواق ، وفرصة تكافل ، فإنه يحجم عن إنكار المنكر على الظالم ، و يستعـصي عليه فهم معادلة ابن يزدانيار في الفراسة ، والتي فهمها من قبله الرجال ، ويـرجع عن الزحف يوم الزحف و قائمة أعذاره تحت أحد إبطيه ، أولها : أنه لم يُنذر بمثل هذا من قبل ، ولا يحتوي هذا الشرط عقده ، ولذلك حرص رجال التربية على أن تكون أول خطوة للسالك : خطوة هّول ، كخطوة السبعين من قدماء الأنصار ساعة بيعة العقبة حين أخذوا على أنفسهم أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه نسائهم وأبنائهم وأموالهم .

فهو هول الجهاد ، أو هول الإنكار ، وليس ما في التجافي عن دار الغرور ذات الشهوات و التـقليـل من الأموال و الملذات بأقـل من هذين الهولين .

فإن أحب الدنيا فإنما يحبها كحب محمد بن أحمد المعروف بابن رزقويه ، ذلك الحب الذي يكشف عن همة عالية وراءه ، والذي ترجمه مخاطباً تلامذته :

" والله ما أحب الحياة في الدنيا لكسب ولا تجارة ، ولكن لذكر الله ، ولقراءتي عليكم الحديث " [45]

وإنما ذكر الحديث كمثل لجنس الصالحات التي يجب على الداعية أن يحب الدنيا لأجلها لا لغيرها .

وعن أجيال السلف أخذ جيل المجددين في هذا القرن فـقه الهمة ففهم الإمام حسن البنا أن الداعية الهمام : " يبذل كل ماله ، وكل دمه ، وكل نفسه ، في سبيل عقيدتـه التي آمن بها وعاش من أجلها " [46] .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

4- نحو أفراح الآخرة

 

لقد وصف الصالحون لنا سمات الابتداء لنأخذ بأحسنها ، و لئن كان بعضنا ينسى ، في ظروف غفلة ، فإن الله خير الغافرين ، وليس له أن يقعد بعد الذكر مع القوم الغافلين ، وإن عنده لذخيرة من فقه الأولين تعينه على سلوك سبل الرشد الفجاج الواضحة الموصلة إلى رب العالمين .

وإن تـقوى الـقـلوب في الحقيقة هي التي تـقود تقوى الجوارح ، كما قال تعالى : { ذلك ومن يعظم شعائـر الله فإنها من تـقوى القلوب } . وقال : { لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( التـقوى ها هنا ) ، وأشار إلى صدره .

" فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية ، مع العمل القليل ، أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك ، مع التعب الكثير والسفر الشاق ، فإن العزيمة والمحبة تـذهب المشقة وتطيب السير ، والتـقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة ، فيتـقدم صاحب الهمة ، مع سكونه ، صاحب العمل الكثير بمراحل ) [47]

 

·        استعلاء .. ثمنه التعب

وإنما أرشدك الصالحون طريق الاستعلاء والسيادة بالنية والهمة ، وعليك تعبه وركوب مصاعبه ، وذلك : إن السيادة نهج واضح الوعر .

وليس أمرها بالهيَّن ، وإنما هي قول ثـقيل ألقاه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه : يجب أن يسودوا .

ويمكن لهذا الثـقـل أن تخـففه النية ، فيتعاظم تأثير التعب القليل بصلاحها ، كما أشار الذين وصفـوا الابتداء ، ولكن هداية القـلب ، وإضاءة النفس ، ونهضات الهمة ، إنما يذكيهن الجد ، فمن أرادهن دائمات : أدام جده ، وهـو معنى قولهم : ( استجلب نور القلب بدوام الجد )

فلا بد من الجد الدائم ، لأن خواطر الفكر دائمة ، وحركات الجوارح متصلة ، فإن لم يكن الجد معهن دائماً : شغلهن ما هو دونه أو ضده ، فيكون الهبوط من بعد الاستعلاء ، يحذرك إياه عبد الوهاب عزام ، و ينبهك أن :

" الفكر لا يحد واللسان لا يصمت ، والجوارح لا تسكن . فإن لم تشغلها بالعظائم : شغلتها الصغائر .

و إن لم نُعمِلها في الخير : عملت في الشر .

إن في النفوس ركوناً إلى اللذيذ والهين ، و نفوراً عن المكره والشاق ، فارفع نـفسك ما استطعت إلى النافع الشاق ، ورضها وسسها على المكروه الأحسن ، حتى تألف جلائـل الأمور وتطمح إلى معاليها ، وحتى تـنفر عن كل دنية و تربأ عن كل صغيرة .

علمها التحليق : تكره الإسفاف . عرّفها العز : تـنـفر من الذل .

وأذقها اللذات الروحية العظيمة : تحقـر اللذات الحسية الصغيرة " [48]

·        و أنت صاحب إيمان :

" وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان ، لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس ، وتتـفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتـفتح له أبداً وهو  قاعد آمن ساكن ، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبداً بغير هذه الوسيلة ، ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته ، و بعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته ، ما لم يكن ليبلغه أبداً بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة .

وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } ، وأول ما تـفسد : فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح ، وتسترخي معه الهمة ، و يتلفها الرخاء و الطراوة ، ثم تأسن الحياة كلها بالركود ، أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها ، كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء " [49]

·        وأتعب الناس من جَلّت مطالبه

·        وأنت حر كريم

و " لا يرمي الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة و مبلغ القدرة ، مستمداً قوة من بعد قوة ، محققاً السحر القادر الذي في نفسه ، متلقياً منه وسائل الإعجاز في أعماله ، مرسلاً في نبوغه من توهج دمه أضواء كأضواء النجم تثبت لكل ذي عينين إنه النجم لا شيء آخر " [50]

·        و أنت صاحب غاية :

و إنما يوصل الداعية إلى غايته : " شغفه بدعوته و إيمانه ، و اقتـناعه بها ، و تـفانيه فيها ، وانقطاعه إليها بجميع مواهبة وطاقاته ووسائله ، وذلك هـو الشرط الأساسي والسمة الرئيسة للدعاة " [51]

·        و أنت طالب نفوذ إلى الله .

و " طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة ، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة ، بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به فيه ، يحتاج أن يكون شجاعا ًمقداماً ، حاكماً على وهمه ، غير مقهور تحت سلطان تخيله ، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه ، عاشقاً لما توجه إليه ، عارفاً بطريق الوصول إليه ، والطرق القواطع عنه ، مقدام الهمة ، ثابت الجأش ، لا يثـنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل ، كثير السكون ، دائم الفكر ، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم ، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب معونته ، لا تستـنفره المعارضات ، شعاره الصبر ، وراحته التعب " [52]

 

·        محنة الفراغ و الغفلة

و يجتمع هذا الكلام الحق ليقرر أن محنة الداعية المسلم لا تكمن في معارضة الكفر له ، ولا في سجنه ، و تعذيبه

و تجويعه ، بقدر ما تكمن في استرخاء همته و التذاذه بالراحة .

ما محنة الداعية إلا لهوه  وغفلته و جلوسه فارغاً ، وربما زاد فينفتح له باب من اللغو بعد اللهو .

تـلك هي المحنة الحقيقية التي تـفتعـلها الجاهلية للدعاة بما تعرض للناس من مغريات و أسباب لهـو تـلـفـت أنظارهم إليها .

وما انتصار الداعية إلا في أن تعاف نفسه ما لا يؤثر في تـقدم دعوته .

إن غفلة الداعية محنة لأنها صرفته عن نصر ممكن يحققه له الجد والعمل الدائب ، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد .

وسيظل اسمنا مكتوباً في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضول أوقاتـنا ، وما دمنا لا نشغفها حباً ولا نتخذها حرفة .

إن الـداعـية الـمسلم لا يملك نـفـسه حتى يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة ، وإنما هـو - كما شبهه بعض الأفاضل - ( وقف لله تعالى ) .

تماماً كنسخة من كتاب نافع حين توقف لله تعالى وتوضع في مسجد من مساجد الله ، فكل داعية موقوف لله ، في جزء من أجزاء دعوة الله .

و إن فضول الأوقات ليست قليلة و محدودة فحسب ، و إنما هي أردأ ساعات اليوم ، حيث يكون فيها الذهن و الجسم متعبين أشد التعب .

و ما تجاوز الأستاذ المودودي – رحمه الله – أعراف أجيال الدعاة حين صارحنا في تذكرته القيمة وقال :

" إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نارا متـقدة تكون في ضرامها على الأقـل مثـل النار التي تتـقد في قلب أحدكم عندما يجد ابناً له مريضاً ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب ، أو عندما لا يجد في بيته شيئاً يسد به رمق حياة أولاده ، ولا تـزال تـقـلـقه و تضطره إلى بذل الجهد والسعي .

إنه من الواجب أن تـكون في صدوركم عاطفة صادقة تـشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم و تعمر قلوبكم بالطمأنينة ، وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد والحنيفية وتركز عليها جهودكم وأفكاركم بحيث أن شؤونكم الشخصية و قضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم فلا تـلتـفتون إليها إلا مكرهين . وعليكم بالسعي أن لا تـنـفـقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية إلا أقـل ما يمكن من أوقاتكم و جهودكم ، فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة وهذه العاطفة مالم تكن راسخة في أذهانكم ، ملتحمة مع أرواحكم و دمائكم ، آخذة عليكم ألبابكم وأفكاركم ، فإنكم لا تـقـدرون أن تحركوا ساكناً بمجرد أقوالكم " [53]

و لم يتجاوز حين كرر و قال ثانية أن : " اسمحوا لي أن أقول لكم أنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وآبائكم وأمهاتكم فإنكم لا بد أن تبوءوا

 بالفشل الذريع ، بفشل لا تتجرأ بعده أجيالنا القادمة على أن تتفكر في القيام بحركة مثل هذه إلى مـدة غير وجيزة

من الزمان ، عليكم أن تستعرضوا قوتـكم القلبية والأخلاقية قبل أن تهموا بالخطوات الكبيرة "[54]

إن من يطالب الآن بإلغاء الراحة فإنه إنما يستـند إلى مادة واضحة في قانون الدعوة  والدعاة سنها عمر الفاروق رضي الله عنه , تـنطق بصراحة أن :

( الراحة للرجال : غفلة ) [55]

وجددها إمام المحدثين شعبة بن الحجاج البصري فقال : " لا تـقعدوا فراغاً فإن الموت يطلبكم " .

ذلك أن من أراد الراحة و السكون فإن الموت و القبر يزودانه منهما حتى يشبع .  وكأننا – والله – قد أسرفنا في الغفـلة ، ولا بد من عزيمة نفطم بها نفوسنا عن اللهـو .

إننا حين نثبت جواز التمتع بالمباحات فلكي يعلم من نخاطبه أننا لا ندعو إلى مثـل الطريقة المبتدعة التي كان عليها بعض الزهاد من الجوع والعري والرهبانية ، وإلا فلا يزال جواب ابن الجوزي يصلح جواباً لنا حين سأله سائل : " أيجوز أن أفسح لنـفسي في مباح الملاهي ؟ "  فقال : " عند نفسك من الغفلة ما يكـفيها " [56]

فإن اعترض معترض : أتيناه بمثل كلام ابن القيم حيث يقول : " لا بد من سِنة الغفـلة ، ورقاد الغـفـلة ، ولكن كن خفيف النوم " [57]

فنحن لا ننكر ما في المعنى الحرفي لإطلاقات من عاب الراحة من إرهاق ، وإنما نريد – كما أرادوا – تـقليلها إلى أدنى ما يكفي الجسم ، كل حسب صحته و ظروفه ، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمن أشد حاجة للانتباه و معالجة قلبه وتـفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية ، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل ، ويسوده التواصي بالحق ، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء و سيوف الأمراء ، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعاً مبصراً بواسطة الإذاعات والتـلفزة والصحف ، وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القـلوب ، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور ، فضلاً عن ارتـفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها , فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف .

و ما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي – رحمه الله – لهذه الحقيقة حين يقول : " إن هذه المدنية السفيهة ، المصيرة للأرض كبلدة واحدة ، يتعارف أهلها و يتـناجون بالإثم وما لا يعني ، بالجرائد صباحاً و مساء ، غلظ بسببها و تكاثف بملاهيها حجاب الغفلة ، بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة " .

فكن خفيف النوم أيها الداعية المسلم لتحصل لك هذه الهمة العظيمة .

و انته من رقدة الغفلة **** فــالـعـمـر قليـل

و اطّرح  سوف وحتى **** فهما داء دخيل

وعبر الصالحون عن هذه المعاني أحياناً بلفظ آخر سموه  : حفظ الوقت ، أو مراعاة الوقت .

فيرى الإمام البنا أن : " من عرف حق الوقت فقد أدرك قيمة الحياة فالوقت هو الحياة " .

أو كما قال في خطبة المؤتمر الخامس : " إنما الوقـت هو الحياة " يخالف بذلك قول الماديين : الوقت من ذهب . وكان – رحمه الله – يحب أن يتجاوز الداعية معرفة حق وقت يومه إلى التخطيط لصرف وقت غده ، فينوي لكل ساعة نوع خير ، و : " ينام على أفضل العزائم " [58]

و ترك الفراغ ، والاستيقاظ من رقدة الغفلة ، معناهما التعب ، ثم التعب ، و استـفـراغ الوُسع في العمل لله . نطق بذلك الإمام الشافعي ، ونـفى أن تصح مروءة داعية يطلب الراحة ، فقال :

" طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات ، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان " . ولما سئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله ، قال : " إذا خلع الراحة وأعطى المجهود في الطاعة " [59] .

فالداعية الصادق يخلع الراحة ، ويعود لا يعرفها ، وتصبح عنده ذكريات شبابه الأول وصباه فحسب .

وأما الإمام أحمد فقد ترجمت سيرته في المحنة هذه الأوصاف عملاً ، حتى قال لابنه : " يا بني : لقد أعطيت المجهود من نفسي " [60]

يعني في المحنة , وبذلك حدَّ حدّاً لا يسع الداعية النقصان فيه ولا التخلف عنه ، فعلى الداعية بذل المجهود من نفسه ، و استـفراغ كل طاقته في خدمة الدعوة .

طريق رسمه الإمام أحمد لا يسعنا أن نحيد عنه , ومقدار قدره للدعاة ليس لهم أن يقـفوا دونه نصيباً مفروضاً ، هو : المجهود من النـفس ، وعلامته حين المحن : الصبر على الأذى حتى الموت . وعلامته في حياتك اليومية : أنك إن جئت إلى فراشك ليلاً لتـنام وجدت لركبتيك أنيناً ، و في عضلاتك تشنجاً ، لكثرة ما تحركت في نهارك .

 وإنما نسميه التعب ، والأنين ، و التشنج ، لغرض تـفهيم الداعية الجديد ، لأن هذه الاصطلاحات هي لغة أهله و عموم الناس الذين تركهم من قريب ، و أما في لغة الدعاة فهو محض اللهو الذي تهفو إليه نفوسهم ، و عنهم نقله البحتري في وصفه لممدوحه حين يقول :

قلب يطل على أفكاره ، ويدٌ **** تمضي الأمور ، ونفس لهوها التعب [61]

ومن لا يعلم موازين المؤمنين يظن ذلك حرماناً من لذة ، وخداع ألفاظ ، و غواية اتباع الشعراء ، ولكن من أوتي علم الكتاب يعرف أن الراحة الحقيقية : راحة الآخرة ، لا راحة الحياة الدنيا ، ولذلك لما قيل للإمام أحمد : " متى يجد العبد طعم الراحة ؟ "

قال : " عند أول قدم يضعها في الجنة " [62]

و لما تعجب غافل من باذل وقال له : " إلى كم تتعب نفسك ؟ "

كان جواب الباذل سريعاً حاسماً : " راحتها أريد " [63]

" فالطالب الصادق في طلبه كلما خـرب شيء من ذاتـه : جعله عمارة لقلبه وروحه .  وكلما نـقص شيء من دنياه : جعله زيادة في آخرتـه . وكلما منع شيئاً من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته . وكلما ناله هم أو حزن  أو غم : جعله في أفراح آخرته " [64]

و من لمح فجر الأجر : هان عليه ظلام التكليف ، كما يقول ابن الجوزي .

و لعمرو الله ما هو بظلام ، ولكنها لغة اضطر لها كما اضطررنا ليـعـقـل مراده الراقدون .

 
 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
5- الأخوة شعار دعوتـنا

 

التسبيح في دقائق الأسحار الغالية ، والتعامل الأخوي الإيماني : ركيزتان متلازمتان تـقوم عليهما الجماعة المسلمة ، وعينان نضاختان ، تسكبان خيراً للدعاة لا ينضب . " إنهما ركيزتان تـقوم عليهما الجماعة المسلمة ، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم ، فإذا انهارت واحدة منهما لم تـكن هناك جماعة مسلمة ، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه " [65]

 

·         التـقـوى أولاً

وإنما التسبيح عنوان الإيمان وإسلام النـفس لله تعالى ، والإيمان عنوان التصور الموزون ، وضمانة الثبات أمام مخاطر الطريق .

" ركيزة الإيمان والتـقوى أولاً .. التـقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل .. التـقوى الدائمة اليقظة التي لا تـغـفـل ولا تـفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله : { يا أيها الذين آمنوا اتـقوا الله حقَّ تُـقاتـه } .. اتـقوا الله - كما يحق له أن يُتـقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القـلب مجتهداً في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق ، وجدت له أشواق . وكلما اقترب بتـقواه من الله ، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ وإلى مرتبة وراء ما ارتـقى ، وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !

{ ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون } والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه ، فمن أراد ألا يموت إلا مسلماً فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلماً . وذكر الإسلام بعد التـقوى يشي بمعناه الواسع : الاستسلام . الاستسلام لله ، طاعة له ، واتباعاً لمنهجه ، واحتكاماً إلى كتابه . وهو المعنى الذي تـقرره سورة آل عمران كلها في كل موضع منها .

هذه هي الركيزة الأولى التي تـقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق و جودها وتؤدي دروها ، إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعاً جاهلياً ، ولا يكون هناك منهج الله تتجمع عليه أمة ، إنما تكون هناك مناهج جاهلية ، ولا تـكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية ، إنما تكون القيادة للجاهلية " [66]

" لا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر ، فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكـفي ، فقـد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختـل ، ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير والشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر ، يستـند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال .

وهذا ما يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه ، وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون .. ومن هذا التصور العام تـنبثق القواعد الأخلاقية ، ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد ، ومن سلطان شريعته في المجتمع تـقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك . ثم لا بد من الإيمان أيضاً ليملك الدعاة إلى الخير ، الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ، و يحتملوا تكاليفه ، وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم ، وثـقـل المطامع … و زادهم هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان ، وسندهم هو الله .. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد ، و كل عدة سوى عدة الايمان تـفل ، و كل سند غير سند الله ينهار " [67]

و يحدثنا إقبال عما فعله هذا الإيمان من توحيد التصور الذي انتبه إليه سيد قطب فيقول :

وُحِّد الرئي لنا و الفكرة **** كسهَام جمعتها جعبة

نحن فكر و خيال واحد **** ورجاء و مآل واحد [68]

 

فهذا أقصى ما يكون من الاتحاد ، بأدنى ما يكون من الوسائل ، فالرؤية واحدة ، والفكر والخيال واحد ، والرجاء واحد ، والمصير واحد ، كل ذلك يعطيه الإيمان ، وما أسهل تـناوش من ملك القلب لهذا الإيمان البسيط ، ذي الأعطيات الثمينة .

 

·        و نـثـنـي بالأخوة ..

" أما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة .. الأخوة في الله على منهج الله ، لتحقيق منهج الله : { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تـفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً , وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } ..

فهي أخوة إذن تـنبثق من التـقوى والإسلام .. من الركيزة الأولى .. أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، وعلى أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة !

{ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتنّ الله بها على الجماعة المسلمة الأولى ، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً " [69]

" وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين .. على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله سبحانه , وتمثل صفاته في الضمائر ، و تـقواه و مراقبته ، و اليقظة و الحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال . وعلى الحب : الحب الفياض الرائق . والود : الود العذب الجميل . و التكافل : التكافل الجاد العميق .. و بلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغاً ، لولا أنه وقع ، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض ، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد و الجنان !

وعلى مثـل ذلك الإيمان ، ومثـل هذه الأخوة ، يـقوم منهج الله في الأرض في كل زمان ) [70]

ومن هنا كانت هذه العودة إلى محاولة تأكيد معنى الأخوة كجزء من إحياء فـقه الدعوة ، فإن الأخوة شرعية دعوتـنا وشعارها واسمها ، وميثاقها الذي واثـقتـنا به ، وكتابها الذي كتبته على نفسها ، وما زالت تأتي دعوتـنا المباركة بصائر جديدة من تجاربها المتكررة تسرع بها إلى ابتغاء كل وسيلة إلى هذه الفضائل وتجميع أنصارها إلى الله على التحابب ، والتكافل ، و التسامح ، و مكملات هذه الرواسي الشامخات ، وكمالها أن ترى من بعد وحدة الرؤية و الفكر و الخيال و الرجاء و  المصير : وحدة القلب و الروح ، بل و وحدة اللفظ أيضاً ، فلا تكون هناك إلا صيحات واحدة . بحروف متـقاربة ، تعبر عن مفهوم واحد ، كما أراد إقبال حين يقول :

نحن من نعمائه حلف إخاء **** قلبنا و الروح و اللفظ سواء [71]

فلم يقنع بوحدة القـلب ، حتى توحدت الألفاظ .

 

·        عـقـد الأخـوة

و يظل هذا الاتحاد يتـنامى حتى يكون عقداً واجب الوفاء ، فقد تكلم ابن تيمية عن ( عـقـد الأخوة ) هذا وبين أن الحقوق التي ينشؤها إذا كانت من جنس ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه لكل مؤمن على المؤمنين فإنما هي : " حقوق واجبة بنفس الإيمان ، والتـزامها بمنزلة التـزام الصلاة والزكاة والصيام والحج ، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله ، وهذه ثابته لكل مؤمن على كل مؤمن وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة " [72]

فيأتي العقد يؤكدها إذن ، ولم يحصل خلاف إلا في التوارث عند عدم وجود القرابة كما كان الأنصار و المهاجرون يتوارثون بالتآخي الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أول مقدمه المدينة ، فقد قال أكثر الفقهاء بنسخ ذلك ، وأجازه أبو حنيفة و أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه .

إن هذا العقد الأخوي يزيد الواجب الإيماني ثبوتاً ، وما نراه إلا كبيعة سلمة بن الأكوع الثانية رضي الله عنه تؤكد بيعته الأولى حين كانتا في ساعة واحدة يوم الحديبية تحت الشجرة ، كما جاء عنه في صحيح البخاري في قوله : ( بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، فقال لي : يا سلمة : ألا تبايع ؟ قلت : يا رسول الله قد بايعت في الأول . قال : وفي الثاني ) [73] ، فكذلك المسلمون : أوجب الإسلام على بعضهم البعض حقوقاً ، ويتبايعون بعقد أخوة في الثاني ، زيادة خير ، وابتغاء توثق ، وعنصر تذكير ، لتـنشأ الجماعة المؤتـلفة المتماسكة المستحكمة التي وصفها إقبال – رحمه الله – في رموزه حين يقول :

كل فرد بأخيه ائتلفا **** مثل در في سموط ألفا

لفهم في عيشهم معترك **** كل فرد بأخيه ممسك

من جذاب تتوالى الأنجم **** كوكب من كوكب مستحكم [74]

وهكذا ، فإنه ليس من عمل للداعية المسلم اليوم أثمن من غدوة يهب فيها لدعوته – بفضل الله – ناشئاً يغمس نفسه فيؤزره ، فيستغلظ ، فيستوي على عـقـد الأخوة ، يعجب الدعاة ، و يغيظ به الكفار .

 

·         مـيـزان التـصاحـب

وهكذا تكون الأخوة بين الدعاة هي الركن المهم في تربيتـنا بعد الصلاة والتسبيح ، وما من جزء من أجزاء الحركة الإسلامية يقذف بنـفسه في ميدان العمل العام قبل إحلال معاني الأخوة الإيمانية في أعضائه إلا ذاق وبال تساهله وتـفريطه ، ولا مناص من أن تَدرج بدايته على طرق الإيمان واستغلال دقائق الليل الغالية ، ويكون فيه ( أدب الأخوة ) مترجماً في تـناصح وتكافل وتحابب يجمع القلوب ويعلمهاالتحالم - إن لم يكن الحلم - عند إبطاء المقصر و تجاوز الملحاح ، مثلما يعلمها المكافأة و الوفاء و الشكر عند إسراع المبادر و عدل خفيض الجناح .

لقد أحب الإمام البنا هذا الأدب للدعاة ، ووضع له منهجاً بحيث " يرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات " [75] ، ورأى رحمه الله من تآخي الرعيل الأول ما أقـر عينه حياً ، وبرهان وفاء محبيه من بعده أن يكونوا دوماً عند محاسن هذا الأدب ، و أن يفيئوا إليه عند أول انتباهه إذا أنستهم الغفلات .

إنها نعمة الأخوة .

يجعلها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام فيقول : ( ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح ، فإذا رأى أحدكم  وداً من أخيه فليتمسك به ) .

و يسميها التابعي مالك بن دينار : روح الدنيا ، فيقول : ( لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاثة : لقاء الإخوان ، و التهجد بالقرآن ، وبيت خال يذكر الله فيه ) . و يحكر لها الشاعر صفة الذخيرة ، فيقول :

لعمرك ما مال الفتى بذخيرة **** و لكن اخوان الثقات الذخائر

و لهذا كثرت توصية السلف باتـقان انتـقاء الأخ الصاحب ، لتصاب الذخيرة الحقة ، والروح الحقة ، فكان من وصايا الحسن البصري سيد التابعين أن : ( إن لك من خليلك نصيباً ، وأن لك نصيباً من ذكر من أحببت ، فتـنـقوا الاخوان و الأصحاب والمجالس ) [76]

فأما أولاً : فقد عمموا صفة الخيرية بإطلاق تحكم الانتـقاء ، وعبروا عن ذلك بقولهم :

أنت في الناس تـقاس **** بالذي اخترت خليلاً

فاصحب الأخيار تعلو **** و تـنل ذكراً جميلاً [77]

ثم خصصوا ففسروا الخير بالتقوى ، وقالوا :

نافس ، إذا نافست في حكمة **** آخ ، إذا آخيت ، أهل التـقى

ما خير من لا يرتجي نفعه **** يوماً ، ولا يؤمن منه الأذى [78]

 

ثم زادوا و ذهبوا أبعد ، فعددوا صفاتهم ، يعينونك على دقة الاختيار .

v                 أعلى صفاتهم : طيبة القول ، ذكرها عمر رضي الله عنه فقال : " لولا أن أسير في سبيل الله ، أو أضع جبيني لله في التراب ، أو أجالس قوماً يلتـقطون طيب القول كما يلتـقط طيب الثمر ، لأحببت أن أكون لحقت بالله " [79]

v                 و من صفاتهم : أن أحدهم : ( يرفع عنك ثـقل التكلف ، و تسقط بينك و بينه مؤونة التحفظ . و كان جعفر بن محمد الصادق - رضي الله عنهما - يقول : أثـقل اخواني علي : من يتكلف لي وأتحفظ منه ، و أخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي ) [80]

v                 و من صفاتهم : ترك حضيض الدينار والدرهم ، و السمو إلى العلا ، وضربوا لذلك الإمام أحمد بن حنبل في انتـقائه الأصحاب مثلاً ، وذلك حين يقول الذي يطريه :

و يحسن في ذات الإله إذا رأى **** مضيماً لأهل الحق لا يسأم البلا

و أخوانه الأدنون كل موفق **** بصير بأمر الله يسمو إلى العلا [81]

v                 و من صفاتهم : مذاكرة الآخرة ، كما قال الحسن البصري : " إخواننا أحب إلينا من أهلنا و أولادنا ، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا و إخواننا يذكروننا بالآخرة " [82]

v                 و من صفاتهم الإيثار ، وهو أحد أركان بيعة الشاعر صالح حياوي لهم حين يقول :

أبداً أظل مع التـقاة ، مع الدعاة العاملين

الناشرين لواء أحمد عالياً في العالمين

المنصفين المؤثرين على النفوس الآخرين

معهم أظل ، مع التـقاة ، مع الدعاة المسلمين [83]

v      و من صفاتهم : بذل النصح ، فأحدهم : ( صالح يعاونـك في دين الله ، و ينصحك في الله ) .

 

·        آفـات الـمـجـالس :

وهذا الانغماس يؤدي إلى الاجتماع والمجالسة بالتالي ، ولذلك وجب التعرف على سيماء المجالسة النافعة ، و الابتعاد عن بعض المعايب التي تـلحقها .

ويجمع ذلك : تحري النفع في الدين فإنها الكلمة الجامعة المانعة ، والمادة الموجزة في قانون التآخي ، يضعها زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم ، فيقول : " إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه " [84]

فشأن كل داعية ناشئ أن يرتاد لنـفسه المجالس التي يزيد فيها إيمانه وعلمه ، وأن يقصد المجالس التي تـنفع دينه ، ولا يعرف مجالس اللغـو و اللهـو و قتـل الـفراغ .

وشرح ذلك إقبال بشطر حاسم ، يريد لنا أن لا نطيل القول بعده ، فقال يدعو الله عز و جل :

هب نجيّا يا ولي النعمةِ **** محرماً يدرك ما في فطرتي

هب نجيا لقِنا ذا جنة **** ليس بالدنيا له من صلة[85]

فهذا جماع القول :

إن صاحب الداعية المسلم : داعية آخر ليس بالدنيا له من صلة .

صلته بالآخرة ، و شوقه إلى الجنة .

بينه و بين الدنيا انقطاع و جفاء .

إن تحريت عنه : وجدته .

إنه هو صاحبك .

آخه ، وأحببه ، واصحبه ، وأعطه مثـل الذي يعطيك ، وإلا فإنك أنت العاجز ، فإنه كان يقال :

" أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان , و أعجز منه من ضيع من ظفر بهم ) .

فاطلب الإخوان ، نرفع عنك صفة العجز . ولابن القيم كلام موجز شامل في ذلك ، يدل على تجربة داعية من أهل الوعي ، شخص فيه أخطار المجالس فقال : " الاجتماع بالاخوان قسمان :

أحدهما : اجتماع على مؤانسة الطبع و شغل الوقت ، فهذا مضرته أرجح من منفعته ، و أقل ما فيه أنه يفسد القـلب و يضيع الوقت .

الثاني : الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة و التواصي بالحق و التواصي بالصبر ، فهذا من أعظم الغنيمة و أنفعها ، و لكن فيه ثلاث آفات :

أحدها : تـزين بعضهم لبعض .

الثانية : الكلام و الخلطة أكثر من الحاجة .

الثالثة : أن يصير ذلك شهوة  وعادة ينقطع بها عن المقصود " [86]

والذي يؤسف له أن مخاوف ابن القيم هذه تحولت إلى واقع تحياه بعض مجالس الدعاة الحالية ، ووجد التـزين وسيلة ليظهر فينا ، وزادت الخلطة بين الدعاة عن مقدارها الذي تحتاجه الدعوة وتحولت إلى شبه بطالة وشهوة تلهي عن مقصود تجمعنا في متابعة العمل مع الناشئة والجدد ، وفي الانطلاق خلال المجتمع العام لتبليغه كلمة الإسلام .

·        و المرء يعجب من صغيرة غيرة !

و لو أن عادتَي التـزين و البطالة تـقفان عند حدهما لعولج أمرهما بمجرد استـنهاض وتذكير خفيفين ، ولكن هاتين الآفتين تتعديان في آثارهما ، ويتولد عن اجتماعهما خلق الضيق عن العـفـو ، بينما يشير استـقـراء الحياة الجماعية إلى ضرورة خلق التسامح والمرونة لمن يحياها .

وقد يظن البعض أن مثـل هذا الكلام أقرب إلى مواعظ العامة منه إلى بحوث فقه الدعوة ، ولكن من يعاني إدارة العمل اليومي للدعوة الإسلامية يدرك ضرورته ، و يعرف كم من الترف ، بل و الخطر ، يكمن فيمن يتعالى عن مثل هذه المواعظ ليهمس بمعاني فنون التخطيط والعمل السياسي في آذان من تضيق صدور بعضهم عن معاني التسامح و العفو عن صاحب الزلة و الخطأ ، ولا بد من اقتران التوعية العملية للداعية المسلم بالتربية الخلقية الإيمانية ، ولا بد من سيرهما معاً .

وهذا هو مصدر إصرار الأقدمين و المعاصرين على التوصية بسعة الصدر ، و التحابب الأخوي .

يقدمهم الفضل بن عياض فيقول : " من طلب أخاً بلا عيب صار بلا أخ " فضع في حسابك عندما تعقد ( عـقـد الأخوة ) أن من تتعاقد معه غير معصوم .

ويأخذ الشعراء دورهم في التوصية ، فيقول مشرقيهم :

لا لوم في خطأ ولا تثريبا

و يقول مغربيهم :

سامح أخاك إذا أتاك بِزلَّة

ويقول ثالثهم :

إذا ما بدت من صاحب لك زلة **** فكن أنت محتالاً لزلتـه عذراً

أحب الفتى ينفي الفواحشَ سمعُه **** كأن به عن كل فاحشة وقرا

سليم دواعي الصدر لا باسط أذى **** ولا مانع خيراً ، ولا قائل هجرا

ولكن كم أرتـنا الأيام من قال هجرا ، وتراه إذا ما دعوته إلى اللين يعبس ويبسر ، و يذهب مغاضباً ، كأنما تدعوه إلى شيء نكر ، و إنما هي سذاجة نـفسه نريد أن نقيه إياها ، وإنما هو تربص العدو نريد أن نبعده عنه ، بما عرفنا عن عدونا من قعوده للدعاة صراط أخوتهم المستـقيم .

وهاؤم تـفحصوا تاريخنا ، كم من منتصر لنفسه استعجل فخاصم ، فما استطاع من قيام وما كان منتصراً ، و لفتـه دوامة العيش المعقد فضاع في خِضَمّها منسياً ، يأكل و يشرب ، و ليس له من بعد ذلك نوع وجود .

إن جموع هؤلاء المغاضبين إنما تأخرت و ضاعت في تيار الدنيويات بما كانت بموازين الأخوة تخل ، ولو أنهم استـقاموا على الطريقة الأولى وراغوا إلى فقه الأخوة الموروث ، لما مسّهم اللغوب و الضياع .

إن الفقه الذي ورثـناه عن التابعي بكر بن عبد الله المزني ينص على إنك : " إذا وجدت من أخوانك جفاء فذلك لذنب أحدثـتَه ، فتب إلى الله تعالى ، و إذا وجدت منهم زيادة محبة فذلك لطاعة أحدثـتها فاشكر الله تعالى ) .

 

فاتهم نفسك إذا عوملت بجفاء أو رأيت نوع تـقصير في حقـك الذي تظنه قبل أن تبادر بالهجوم .

إن هذه النصوص القديمة من فقه الأخوة الإيمانية ، يصوغها عبد الوهاب عزام في العصر الحديث في بيتين جامعين من مثانيه و يقول  :

في فؤادي بحران : ملحٌ وعذب **** وبه صرصر وريح رخاء

فهو مُرّ على البغاة عصوف **** وهو عذب لصاحبي و صفاء [87]

فأنت مطالب أيها الداعية المسلم أن تملأ قلبك من مشاعر الأخوة في الله لإخوان العقيدة بقدر ما يجب أن تضع فيه من مقت أهل الباطل البغاة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سادساً : أشجار الإيمان

 

وحدة العبودية ، و تكاملها ، في أجزاء هذا الكون ، لله تعالى الذي خـلقه : حقيقة يراها المتـفكر ، إذا استطاع أن يفلت من الصخب الملهي و يتأمل في هدوء ورَوية .

منها : عبودية لا تشوبها الوساوس ، لبساط الأرض جميعه ، حشائشه و الباسقات ، نبهك القرآن لها ، في قوله عزّ وجلّ : { والنجم و الشجر يسجدان } .

قال الطبري : " يعني بالنجم : ما نَجَم من الأرض من نبت ، وبالشجر : ما استـقـل على ساق " [88]

فهو منظر سجود دائم يراه المؤمن ليكون له تذكرة حين تثـقله الغفلة ، يديم له سجوداً قلبياً ، آيته الرضا عن الله ، والتسليم لحكم حلاله وحرامه ، به يستكمل سجود جبهتـه مغزاه .

ومتى ذاق المؤمن ، بالخلوات المسترسلة ، لذة مراقبة هذا السجود الأخضر ، المتوشح بألوان الزهر ، وأذن لقلبه أن يبالغ في الهبوط مقلداً ، حتى يلامس أوطأ الإخبات : نادى غيره للمشاركة ، وعرض عليه الرفقة ، منخلعاً عن حسد واحتكار .

وتلك هي دعوة إقبال ، لما ظفر بسر السياحة الإيمانية الصامتة ، في البراري الناطقة ، ونبهك إلى إنصات واجب ، لتسبيح دائب ، و أوصاك أن :

دع الدور و اطلب فسيح البراري **** و انظر إلى صفحات الجمال

على حافة الماء دون ملال **** تأمل ترقق ماء زلال

وحدق إلى نرجس ذي دلال **** وقبِّل عيوناً له كاللآلي [89]

و كان عبد الوهاب عزام أول مجيب له ، وطفق يستغرق في التأمل ، فرآه جاهل بما هنالك فأنكر عليه ، فقال :

لست أخلو لغفلة و سكون **** وفرار من الورى و ارتياح

إنما خلوتي لفكر و ذكر **** فهي زادي وعُدّتي لكفاحي

و ما زاد بهذا على أن جدّد مذهباً سالفاً ، و عرفاً عند أول المسلمين ، في استلال ساعة من بين حركاتهم في التعلم و التعليم ، والأمر و النهي ، و ضرورات المعيشة ، يميلون فيها إلى التـفرد خارجاً ، والركون إلى أرباض مدنهم ، و الجلوس بين الزروع ، يرجون لأنفسهم بصائر و تذكرة .

وروى ابن القيم أن شيخه ابن تيميه ، رحمهما الله ، كان يتركهم غادياً بعد الفجر مراراً ، فراقبه ، فوجده يعتـزل في غوطة دمشق و حقولها ، حتى غدت عنده عادة .

وما ذاك على أسلوب القرآن بغريب ، ولا على رموز النص الشريف المأثور و تشبيهاته ، بل هو ارتباط واضح خلالهما بين الخضرة و خصال الفطرة ، ترك طابعه على طرائق المؤمنين في التعبير و التمثيل ، في نحو على منحاهما ، يدلك على قـلوب فقهت المناسبة ، واستوعبت الإشارة ، وشهدت الرابط الجامع في لقيا الشجر و معاني الإيمان إنها غاية من أشجار الإيمان ، فيها أيك ملتف متشابك ، تجعل سيرك في ظل وارف ، و مداعبة من زكي العبيق .

 

·        تفجؤك فيها شجرة التوحيد .

وهي شجرة غرسها القرآن ، تستـلقي تحت أغصانها حين تـقرأ قول الله تبارك  وتعالى :

{ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تُؤتي أُكُلَها كلَّ حين بإذن ربها ، و يضرِب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون }

قال ابن القيم : " فإنه سبحانه شبّه شجرة التوحيد في القـلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل ، الباسقة الفرع في السماء علواً ، التي لا تـزال تؤتي ثمرتها كل حين . و إذا تأملت هذا التشبيه رأيتـه مطابقاً لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب ، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء . ولا تـزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء . ولا تـزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت ، بحسب ثباتها في القلب ، ومحبة القـلب لها ، وإخلاصه فيها ، ومعرفته بحقيقتها ، و قيامه بحقوقها ، ومراعاتها حقّ رعايتها " [90]

و من السلف من قال : إن الشجرة الطيبة هي النخلة ، ويدل عليه حديث ابن عمر في الصحيح ، وقال الربيع بن أنس : ذلك المؤمن ، أصل عمله ثابت في الأرض ، و ذكره في السماء .

قال ابن القيم :

" ولا اختلاف بين القـولين ، و المقصود بالمثل : المؤمن ، و النخلة مشبهة به ، وهو مشبه بها " [91]

v                             و من مكانك تحتها تشم عبير ورود بقربها ، من شجرة تسمى شجرة الطاعة ، شهدت منحة الرضوان ، لما أسبغت ، يوم نزلت : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ، فعلم ما في قلوبهم ، فأنزل السكينة عليهم ، وأثابهم فتحاً قريباً }

و يفتأ المستظل بظلها اليوم ساكن الفؤاد ، غير مضطرب لحرمان وفـوات ، ينتظر فتحاً لحركة الإسلام تـندكّ به صروح الضلال ، قد قدّم له التبايع على الموت ثمناً .

v                            فإن اختار الله لك المحنة سبيلاً لهذه المنحة ، وحَزَبَك الأمر : لجأت إلى شجرة الترحاب ، تطلب الطمأنينة عندها ، هازاً جذعها ، لتغدق عليك من بركتها ، وتـفعل ما فعلت مريم عليها السلام لما ضاقت عليها الأرض ، فجاءها نداء: { و هزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رُطباً جَنياً فكلي و اشربي و قرّي عينا } .

فتأكل رطيبات وتـقنع بها ، عازفاً عن بطر المترفين ، وتغرف من ثَمّ من سَرِي بين يديك يجري ، مستعلياً بعزة دونك مدارجها ، ترقى إليها و تَسري .

v                        و للنبي صلى الله عليه وسلم غِراس في هذه الغابة ، كما أن الحكمة أشهدت الشجر مواقف من سيرته الشريفة ، إيماء إلى هذا الارتباط ، ربما ، و إثارة لتطلع الغافل .

منها : شجرة الوفاء ، عنوان امتـزاج الأرواح الذاكرة ، تـنطق بالشكر ، و تحفظ الفضل لأهله ، و تعلن عِرفان الجميل .

وهي نخلة ، تَنَهَّدتْ عند الفِراق .

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه :

( كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وُضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العِشار ، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده عليه ) [92]

أي كأصوات النياق التي أثـقلها حمل بطنها وقَرُب مخاضها . وتـلك من معجزاته ، عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام .

جذع أنيلَ الشرف ، فوفى ، واجتمع له الحَنين ، فاستبدَّ به استبداداً ، فَرَّق منه الأنين .

وما من أحد إلا وفي بيته ديوان حديث ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم واقف عنده يُفقِّه أمرَ دينه ، و يُلقنه شرائع الأسلام ، و الوفاء يليق لمثلنا ، نتعلمه من الجذع ، و نترجمه صُوراً من الاتّباع و الاقـتـفاء .

v                           و شجرة خامسة تسمى شجرة الثبات ، تلوذ بها يوم تتوزع الناس الأهواء ، فتطلب النجاة معتـزلاً الفِرَق كلها ، ( ولو أن تعضّ بأصل شجرة ) [93]

وتصون لسانك إلا عن قولك مع عبد الله بن أبي مُليكة : " اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن " [94] فلأمر ما مما نقول كان هذا الاعتصام بالشجر ، في إلحاح يزيد معه المعتصم شدّ نواجذه ضاغطاً ، لو تخيّلته ، لتردّد قلبك يهتـز في قلق ، بين رهبة من استرخاء يعتري فيَجرِف ، و أمل في إتمام يُنجي .

إلا أن رحيق هذه الشجرة يرويك إذ الناس تلهث عطشاً ، ويبل حلقك بارداً ، فتضاعف العضّ مُبالغاً ، كأنك تمص الثبات راضعاً .

v                        و سادسة تُعرف بشجرة الأنس ، تُصاحبك عند الوحشة ، و تخفف رطوبتها جفاف هـفواتـك . غَرَسها النبي صلى الله عليه وسلم لما مَرَّ بقبرين يُعذبان ، فكان أن : ( أخذ جريدة رطبة ، فشقها بنصفين ، ثم غرز في كل قبر واحدة ، فقالوا : يارسول الله : لِمَ صنعت هذا ؟ فقال : لعـله يخفـف عنهما مالم يَيْبسا ) [95]

ففهم بُريدة الأسلمي – رضي الله عنه – من ذلك أنها سُنة ، فأوصى أن يُجعل في قبره جريدان ، فما زال الناس يُقلدونه في ذلك .

وقد لا نخلوا من لمم يكدر صفـو العمل ، أو من تَتَبع بفـضول لما في يد أهل الدنيا من أموال الاستـدراج ، يكون معه الأرق المتـلف ، واضطراب النوم ، فيضعف الاستعداد للفجر الآتي ، ولعل سويعة لك تحت سعف النخيل تخفف لهـفـك .

v                        ثم شجرة المفاصلة ، شهدت كيف يُتمم استـقلال الوسيلة عند المسلم استـقلال الهدف ، و ذلك لما تبع مشرك جيش المهاجرين والأنصار حين سيره نحو بدر ، يريد أن يقاتل معهم ، حمية و نصرة لقومه ، فلما وصلوا شجرة ضخمة كانت مَعْلماً في الطريق ، ذكرتها عائشة رضي الله عنها : لحق بهم ، فالتـفـت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( ارجع ، فلن أستعين بمشرك ) [96]

فمضى ذلك أصلاً ، لم يطرأ عليه الاستـثـناء إلا في حوادث ضيقة .

و تحاصر جبهات الأحزاب اليوم دعوة الحق ، تبثّ إرجافها ، متهمة إياها بتخلف عن ركب سياسي مجتمع ، فيقصد الدعاة الأشجار المعالم الضخام ، فتشهد بانتـفاء اللقاء ، و عيب النزول بعد الاستعلاء .

v                         ولما فَقه الناس هذه الأمثال : تتابعوا في سباق يغرسون ، فكانت شجرة ثامنة عرفت بينهم أنها شجرة الاغتـفار .

وهي شجرة عنب كثيرة الثمر ، فكان غارسها إذا مَرَّ به صديق له : اقتطف عنقـوداً ودعاه ، فيأكله ، وينصرف شاكراً .

فلما كان اليوم العاشر : قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها : ماهذا من أدب الضيافة ، ولكن أرى إن دعوت أخاك ، فأكل النصف ، مددت يدك معه مشاركاً ، إيناساً له ، و تبسطاً و إكراماً .

فقال : لأفعلن ذلك غذاً .

فلما كان الغد ، و انتصف الضيف في أكله : مدّ الرجل يده و تـناول حَبّة ، فوجدها حامضة لا تساغ ،  وتـفلها ، و قطّب حاجبية ، و أبدى عَجَبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها .

قال أبو حيان التوحيدي : فقال الضيف : قد أكلت من يدك ، من قَبلُ على مر الأيام حُلواً كثيراً ، و لم أحب أن أريك من نفسي كراهة لهذا تشوب في نفسك عطاءك السالف [97].

و ما هذه من قصص الأغاليط ، ولكنه مَثـَل ضرب لك أيها الأخ الداعية فاستمع له ، ومجاز تدلف منه إلى العدل مفتوح أمامك .

فليس فيمن حولك من انبغت له العصمة و استـقام له الصواب ، فإن أخطأ معك أخ لك فلا تجرمنـَّك كبوته على الهجران ، و التأفف ، و الضجر و الانتقاص منه ، بل ولا على العتاب , إنما تـتصبر ، و تكظم و تعفو في سرك مستحضراً جمال سابقاته ، و جياد أفعاله ، و حلو مكرماته ، إذ لعله قد أعانك على توبة أو ظاهرك عند تعلمك رديفاً و رفيقاً و سميراً ، أو علّمك باباً مما علّمه الله و طريفه .

v                        فإن استـفدت و نشرت الانصاف ، فقد أذن لك في أن تستـلقي تحت شجرة هيفاء ، كثيرة الثمار و الورود ، يخلب نظر الرائي جمالها ، و تُنطق المستمتع حمداً لرفيع ذوق غارسها .

اسمها : شجرة الزهد .

وهي شجرة قلبية فريدة ، و لم يَسبق  صاحبها أحد إلى استـنبات مِثلها ، فجاءت بدعة ، و وصفها فقال :

غَرسَ الزهدُ بقلبي شجره **** بعد أن نقّى بجهدٍ حَجَرَه

وسَقاها إثرَ ما أَودَعها **** كَبِدَ الأرضِ بدمعٍ فَجَّرّه

ومتى أبصرَ طيراً مُفسداً **** حائماً حول حِماها زَجَرَه

نمتُ في ظلٍ ظليلٍ تحتَها **** رَوّح القلبُ و نَحى ضَجَره

تم بايعت إلهي وكذا **** بيعة الرضوان تحت الشجرة

فانظروا أطوار رعايته لها ، وعنايته بها ، وكيف بدأ بتطهير قلبه مما هنالك  من أحجار الحسد و الرياء و التكبر و سوء الظن ، و كيف سقاها بدموع الخشية في الأثلاث الأخيرة ، وكيف زجر شياطين الإنس و الجن لما حامت حول بذرتها تبغي التـقاطها ، وقلِّده ، و أفعل فعله : تورق لك أختها ، و تتفتّح لك منها الزهور بألوان و عطور ، فتـنام تحتها كما نام ، تستشعر شعور أهل بيعة الرضوان ، و كأنك فيهم و معهم ، تغمرك نشوة البيعة على الموت في سبيل الله دفاعاً عن الإسلام .

v                         و وعى الإمام حسن البنا – رحمه الله – فَن زراعة أشجار الإيمان ، فغرس لك الشجرة العاشرة ، وهي شجرة الحِلم ، و صفها مخاطباً الدعاة فقال : " كونوا كالشجر، يرميه الناس بالحجر ، و يرميهم بالثمر " . ولقد أجاد وأفاد ، فإن في أكثر الناس سرعة جنوح إلى الجهل ، يميلهم إلى تكذيب دعاة الإسلام و إيذائهم بالباطل . ولو جهل الداعية مثـل جهل الجاهلين ، وقابل الإساءة بإساءة ، لعـفـت رسوم الإحسان واندثرت ، و لكنه الصدر الواسع ، والاحتساب ، والاستغفار لقومه الذين لا يعلمون .

أما بعد :

فليس الإمام البنا بآخر غارس في غابة الإيمان ، و إنما وضعنا في يدك الفأس ، و أعطيناك البذر ، فأبذر : تجد الثمر و فيراً ، مباركاً .

فاخرج و تجوّل متأملاً : تجد أخلاق الإيمان قد مازجت الخضرة ، و إن لكل شجرة تعبيراً عن شيء من محاسن الخصال يمازج سجودها ، و يقترن بمظهر عبوديتها لله خالقها .

ومن ها هنا كانت سويعات الخلوة بين الشجر سبب ذكرى للغافلين ، و سبيل إنابة .

و مما ينبيك عن صدق ظننا الحَسَن هذا بالأشجار أن الله سبحانه ضرب مثل الكلمة الخبيثة المنافية للتوحيد كشجرة خبيثة ، لكنها ليست قائمة ، بل اجتُثتْ من فوق الأرض ما لها من قرار .

فليس من شجر واقف إلا و يعظك بكلمة من الإيمان .

 

 

 

 

 

 

 

7- حصار الأمل

 

هذه الحياة ، بجوانبها العديدة ، و تبدلات المجتمعات التي تحياها ، قد لايفهمها جيل المسلمين اليوم من دون الرجوع إلى نظرة واقعية لها ، متسمة بالبساطة ، مستقرئة للمحسوس المشاهَد منها .

ولا ريب في أن تجاوز مجرد الاستـقراء ، وفهم الأمور معلَّلة مسبَّبة ، هو الوضع الأمثل ، المؤدي إلى الإيمان الأتم الأوفر ، وهو لما يُظن أنه من ظواهر التـناقض أوجب ، و لذلك جاءت عقيدة الإسلام تُحلل وتُعلـل ، ليحيا مَن حَيَّ عن بينة . ولذلك أيضاً حاولت الفلسفات أن تـفهم محركات الحياة ، فقاربت كاقتراب سقراط من عقيدة التوحيد ، أو أبعدت ، كبعد جمهور المحاولين .

و بتـفسيرات مَن شَرَحَ الكمال العقيدي الإسلامي ، أو من خلال محاوارات الفلاسفة في محاولاتهم الوصول إلى المثالية اتسع القول في القدر ، والجبر والاختيار ، وسر تردد النفس بين التـقوى و الفجور ، و حكمة خلق الشيطان و القائه للنفوس حتى لتختار الضرر الواضح و تأتي بما لا يأتلف مع الفطرة ، و غَلَبَة أهل الشر أحياناً مع كثرة إفسادهم وإرهاقهم للناس ، وكثرة محن أهل الخير وصدود الناس عنهم مع عظيم بذلهم ونفعهم للناس ، و أمثال هذا . و لكن حياة اليوم اكتـنفها التعقيد المادي من كل أركانها ، وتركت كثيراً من المسلمين - كشأن أغلب الناس - في زحمة من المتطلبات والحوائج تسلبهم التـفرغ لتأمل ساكن يحللون فيه و يعلـلون .

و لذلك لم يعد هذا النظر التحليلي بممكن للجميع ، فضلاً عن أن يكون مفهوماً للجميع ، مع أن المسلم مطالب و مكلف - في الوقت نفسه - بأداء الواجب المفروض عليه في التأثير الخَّير في الحياة ، بالأمر بالمعروف ، و الدعوة إليه ، والنهي عن المنكر ، ملزم به إلزاماً ، مُضيّق عليه في الاعتذار إزاءه .

ومن هنا تـفرض سرعة صراعنا الحاضر مع أشكال الكفر الجديدة أن نلجأ ، بسرعة توازيها ، إلى بساطة النظرات الواقعية ، لإسعاف المسلم القائم على ثغور هذا الصراع بقناعة و شجاعة تدعانه يلج دروب البذل التي تـفرضها واجبا ت رقابته على العالمين ، أمماً و أفراداً ، وأمره ونهيه ، مقوماً لهم ومُعدلاً .

ولن تجد الحركة الإسلامية ثنية بعيدة عن البدعة تطل بدعاتها من فوقها على منظر بسيط لحقيقة الحياة ، شامل في رؤيته ، كما تكون إطلالتها على حقيقة الموت . هذه الحقيقة المستغنية عن الدليل والتحليل ، والتي تؤذن فيهم وفي الناس كل صباح ومساء .

 

·        عظمة المشهود : دليل الغيب

و ذاك من كمال عقيدة الإسلام  وتمام فن المؤمنين بها في الدعوة إليها ، أنها و أنهم في حرص على أن يسلك المتحيَّر أو المتردد الطريق الأدنى إلى الإيمان .

والمثـل في ذلك كمثـل الذي استغـلقـت عليه الغيوب التي أخبر بها الأنبياء عليهم السلام ، من البعث والحساب ، والجنان والنيران ، فتمر به على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، تريه إعجاز ما بين صدعه بالتوحيد فريداً مكذّبا ، وبين صدع المؤذنين بالتكبير قبل نهاية سيرة الراشدين من خلفائه على كل روابي أرضين المدنيات ، فتجعل رؤية إعجاز السيرة باب تصديق يدلف منه إلى ما يكاد أن يكون رؤية لذلك الغيب ، و تكون قد جعلت الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم سبباً للإيمان بالله ، ولا نعلم فقيهاً يمنع ذلك ، غير الباقلاني ، فإنه يوجب الإيمان بالله تعالى قبل الإيمان برسله صلى الله عليه وسلم ، وليس لمنعه وجه ظاهـر .

هذا بَلْهَ عن امتلاء القرآن بنداءات بسيطة و دعوة إلى تفكّر في خلق السماء و الأرض يقود إلى الإيمان بالله .

وكل ذلك من وجوه كمال عقيدة الإسلام ، بما نّوعت خطابها لأنصاف العقول و مقادير النباهة ، فمن أشكل عليه التعليل : أدخَلَتْه من باب ما يمكن حِسه ، وعوّضت عن التعليل بتكرار التذكير .

و الواقعية التي نريد أن نستـفيد منها اليوم ليست إلا التي وفرتها عقيدتـنا منذ أبعد الأمس ، حين أطنبت في  التذكير بالموت ، و أنذر كِتابُها سكرةً لا بد أن تميد لها كل نفس مهما كانت عنها تحيد .

و لهذا وجب على خطة الحركة الإسلامية التربوية أن تعتمد التذكير بالموت ضمن أسسها ، و تأخذ بيد كل داعية ليلمس لمساً قريباً حقيقـته وتـفاهة الحياة ، فينطلق من بعدُ انطلاقته في البذل ، و يتخلص من ثِـقـلة إلى الأرض تحاول الأموال أن تُركس كل متـزين بها إليها .

 

·        لوحة من الفن الإسلامي :

و لئن جمع قادة الحروب جنودهم قبل كل معركة ، و حـلـّقـوا بهم حلقة ، ليرسموا لهم على الأرض خطة تعبئة لحصار عدوهم ، فإن على قادة الحركة الإسلامية أن يرسموا قبل ذلك لحلقات الدعاة إلى الله خطة حصار الأجل للأماني الكواذب ، يذكرونهم إياه ، كما رسمه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه على أرض المدينة ، ففتحت لهم – لما وعوا خطوطه – المدن .

و كان فيهم يومها : عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوصف فقال : ( خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً ، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه ، و خط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط ، من جانبه الذي في الوسط ، وقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به – أو : قد أحاط به – وهذا الذي هو خارج : أمله ، وهذه الخطط الصغار : الأعراض ، فإن أخطأه هذا : نهشه هذا ، و إن أخطأه هذا : نهشه هذا ) [98]

وكان فيهم أيضاً : أنس بن مالك رضي الله عنه ، فوصف ، فقال : ( خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً ، فقال : هذا الأمل ، وهذا أجله ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقـرب ) [99]

وفي رواية : مثل ابن آدم جنبه تسع و تسعون مَنِيَّة ، إن أخطأته : وقع في الهَرَم .

و اكتملت بهذه الخطوط الشريفة لوحة من الفـن الرمزي التجريدي فريدة .

إنه الإنسان الضعيف تغزوه الأعراض غزواً فيه إلحاح . عدوى ، أو سرطان ، أو حريق ، أو غرق ، أو زلق ، أو سقوط ، أو اصطدام ، أو لدغة ، أو تسمم بطعام ، أو طلقة تائهة .

فإذا نجا من كل ذلك : كان له في الهرم ، و ضغـط الدم وارتـفاع نسبة السكر : تأديب أي تأديب .

فإن أطال النـَفـَس : اقتص منه الموت { قل إن الموت الذي تـفرون منه فإنه ملاقيكم } تعددت الأسباب والموت واحد ، يحاصر الأمل الشارد الذي يتوهم الإفلات حصاراً شديداً .

أمل أبيض وضّاء ، كلما برق : زهت في نظر صاحبه الأموال ، و الحِسان ، و العطور ، و القـصور ، و المناصب ، و الشهادات ، فينسى مع نظره المنسرح المسترسل متطلبات دعوتـه ، و يصد عينه عن أرض مقدسة يـفسد فيها يهود ، ولا يعود أنفه يشم رائحة شواء دعاة الإسلام في الصومال ، ولا نتن جثث الأتراك تحت حائط في قرية قبرصية ، وتتـناسى أذنه وقع أحذية عساكر الهنادك في البنغال ..!

لكنه لو نظر ببصيرته لعرف أن أمله الوضاء إنما يـلـفه محيط أسود حالك ، يتيه فيما دونه من الظلمات ما لم يتبع في مشيه مخرجاً تدل عليه التـقوى .

فهو تَرَقُّب جميل ، لكنه يتـنغص .

وظل ظليل .. لكنه يتـقـلص .

ومطامع وراء الأودية والمفاوز ، وليس هو لما قـُدر له بمجاوز .

و أنفاس قبل كل ذلك .. تـُعدُّ .

ورحالة .. تـُشدّ.

 وعاريته .. تـُرد .

و التراب من بَعد .. ينتظر الخد

فإنه ليس عُقبى الباقي غير اللحاق بالماضي .

وعلى أثر من سَلَفَ .. يمشي من خَلَف .

و ما ثَمَّ إلا أمل مكذوب …… و أجل مكتوب .

 

·        رؤيــة تـــمــتــد

و " إن هذا النظر ، الذي وراءه التذكر ، الذي وراءه التـقوى ، التي وراءها الله ، هذا وحده هـو القوة التي تتـناول شهـوات الدنيا فتصفـِّيها أربع مرات ، حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر ، و آخر وجودها التلاشي " [100]

و " إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش مُعداً لها , فإن كان مُعداً لها : عاش راضياً بها , فإن عاش راضياً بها : كان عمره في حاضر مستمر ، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها ، فلا يستطيع الزمن أن ينغـص عليه مادام ينقاد معه و ينسجم فيه ، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح ، ولا في الصبح أن يبعد الليل " [101]

و بمثل هذا النظر و الترقـب الذي أكسبه الأنبياء عليهم السلام من قاتل معهم من الربّيين : صفت النفوس ، و ثبتت بركيزة من الطمأنينة سكنت معها و هدأت ، فرأت حين زال الاضطراب إطار الحقائق الترابية للشهوات الدنيوية ، فزال ما هنالك من تطلع زائد .

ثبات له من الرسوخ إزاء الأماني مثـل الذي كان ما بين رؤية إبراهيم عليه السلام للأفولِ ، فلم يحب الآفلين ، وبين بقية من حنيفيته – كادت أن تتصل ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم – أرَتْ أمية بن أبي الصلت حقائق الحياة ، فكاد أن يسلم ، فصرخ فيما حوله من جاهلية :

اقترب الوعدُ ، والقلوب إلى اللهو **** و حب الحياة سائقُها

ما رغبةُ النفسِ في البقاء وأن **** تحيا قليلاً والموت لاحِقها ؟

أمامـها قـائـد إلـيـه ، ويحدوها ****حثـيـثـاً إلـيـه سائقـُها

قد أيقنت أنها تصير كما **** كان يراها بالأمس خالقـُها

و إن ما جمّعت وأعجبها **** من عيشة مُرة مفارقُها

من لم يَمُت عَبطة يمت هَرَما **** للموت كأسٌ و المرءُ ذائقـُها

فكانت صرخاته في عكاظ إرهاصاً ينبي عن نبوة جديدة ، أحيت لما جاءت سنن الترقب و النظر الذاكر ، فزهد أصحابٌ ورثوها بما هنالك ، فانقـلبوا يصلحون للإنسان الواهم ما أفسدتـه شهـواته ، وما متاع أحدهم عند الوداع غير بُردة قصيرة جعلت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يبكي ، و يعاف الطعام ، ويقول :

( قـُتـل مصعب بن عمير وهو خير مني : كـُفـن في بُردة ، إن غُطي رأسه : بدت رجلاه ، وإن غـُطي رجلاه : بدا رأسه , ثم بُسط لنا من الدنيا ما يُبسط ، وقـد خشينا أن تـكون حسناتـنا عـُجـِّـلـت لنا ) [102]

 

·        نـسيـان الـمـوت أول الإنحـراف

و ليس ذاك بكاء الأسى ، حَزناً أن لم يَرَ أخاه مصعباً مترفاً ، إنما هو بكاء الخشية من بعض مباح أن يكون حسنةً معجَّلة تمنعه الآجل ، كما أفصح ، ودموع حذر تخرجها روعة تجرد لجهاد يرى ذهاب أبطاله تباعاً ، فيخلف من بعدهم خلف تـكثر في يده الأموال ، و يخاف أن يتـنافسوها ، فيتوقـف نبض فتوح الهداية .

يشبه بكاؤه ذاك عبرة ظلّ يـغـص بها حَلق أبي الدرداء مراراً وهـو يـقول : ( أبكاني فراق الأحبة : محمد وحزبه ) [103] , يُعبر بها عن وجله من جديد طرأ على سمت الجيل الثاني ، مثـلما يريد بها إظهار ألمه لفـراق أخوة كانوا له سبب هداية وتـثبيت ، وفهمهم وفهموه ، في تعامل مسترسل ، ما التالي لهم - مهما حرص - بقادر على أن يُسلي عن قلب أبي الدرداء رضي الله عنه تسليتهم عنه . وكأنهم حالة ما زالت تستبد بكثير من الدعاة الغرباء ، لا يستطيعون لها وصفاً .

لكنه حزن المجاهد الفقيه ، ما كان ليهبط بأبي الدرداء إلى حسرات تستهـلك الهمّة ، بـل أدى بـه إلى صـعود سُلم

التربية ، فاعتـلى درج مسجد دمشق ، فقال : ( يا أهل دمشق : ألا تسمعون من أخ لكم ناصح ! إنّ من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً ، ويبنون شديداً ، ويأملون بعيداً ، فأصبح جمعهم بوراً وبنيانهم قبوراً ، وأملهم غروراً ) [104] و لبث في أهل دمشق سنين يخفـف أثر هجمة المال ، ثم أورث المقال أهله ، فكان الرجل منهم يأتي أم الدرداء يستـنصحها فيـقول :

( إني لأجد في قلبي داءً لا أجـد له دواء . أجد قسوة شديدة وأملاً بعيداً ! ) فتـقول : اطلع القبور واشهد الموتى [105]

 

·        إحياء الأمة بذكر الموت

وقارب الاستدراك في زمن الراشد الخامس أن يتم ، لولا السم .

فقد واصَلَ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الطريقة ، فأرجف بذكر الموت قـلوب جيله رهبة ، فنفضت رانها ثم انـثـنى ، فحرك إلى الشهادة حَنانها .

و ما أكثر ما وقف عمـر موقـف أبي الدرداء على درج مسجد دمشق ، ليجدد الوعظ القديم ، ويقرر لهم :

" إن الأمان غداً لمن حذر الله وخافه ، و باع قليلاً بكثير ، و نافذاً بباق " .

حتى إذا أيقنوا صواب الصفـقة : راح يريهم من يومياتهم وواقعهم ، بعين التأمل ، مالا تراه عين الغفلة ، ويقول لهم : " ألا ترون في أسلوب الهالكين ، وسيخلفها من بعدكم الباقون ، وكذلك حتى تُردّوا إلى خير الوارثين ؟ ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشّيعون غادياً إلى الله ورائحاً ، قد قضى نحبه ، وانقضى أجلُه , وطُوي عمله ، ثم تضعونه في صُدع من الأرض في بطن لحد ، ثم تَدَعُونه غير موَسَّد ولا ممهّد ، قد خلع الأسلاب ، وفارق الأحباب ووُجّه للسحاب ، غنياً عما ترك ، فقيراً إلى ما قدّم " . ولربما أجلس أحدهم أمامه و علّمه ، تعليمه عنبسة بن سعيد : " يا عنبسة : أكثـر ذكر الموت ، فإنك لا تـكون في ضيقة من أمرك ومعيشتـك فتذكـر الموت إلا اتسع ذلك عليك . ولا تكون في سرور من أمرك وغبطة فتذكـر الموت إلا ضيّق ذلك عليك " [106]

حتى إذا ربّى حاشيته ، و خلصوا من وهـم الأمل نجيّاً : راح ينشر مذهبه في الأمصار ، فيرسل على أعيانهم ، فيأتونه ، فيفشي لهم سِرّ القبر ، وما هـو عند أولي الألباب بِسـرّ .

قال التابعي محمد بن كعب القرظي رحمه الله :

( لما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله بعث إليّ وأنا بالمدينة فقدمت عليه , فلما دخلت جعلت أنظر إليه نظراً لا أصرف بصري عنه ، متعجباً ، فقال : يا ابن كعب : إنك لتـنظر إليَّ نظراً ما كنتَ تـنظره !

قلتُ : متعجباً

قال : ما أعجبك ؟

قلت : يا أمير المؤمنين : أعجبني ما حال من لونك ، و نَحَلَ من جسمك و نفي من شَعرك .

فقال : كيف لو رأيتـني بعد ثلاثة ، وقد دلّيتُ في حفرتي ، وسالت حدقتي على وجنتي ، و سال منخري صديداً و دوداً ؟ ) [107]

فشاع خبره في الآفاق ، حتى إذا أرسل إلى أعيان الكوفة : بادروه مبادرة ، و جلبوا شاعرهم أعمش همدان معهم ، يعلن له قناعتهم و براءتهم من أمل يطاره عمر ، قد عرفوا جده في إجلائه عن دار الإسلام .

و ينطلق الأعمش بين يدي عمر :

و بينما المرءُ أمسى ناعماً جذلاً **** في أهله معجباً بالعيش ذا أنَقِ

غِرّاً ، أتيح له من حَينِهِ عَرَضِ **** فَمَا تَلبّثَ حتى مات كالصَّعِقِ

ثـُمـّتَ أضحى ضحى من غِبَّ ثالثة **** مُقنّعاً غير ذي روحٍ ولا رَمَقِ

يُبكي عليه و أَدنوهُ لمُظلِمَةٍ **** تـُعـلى جوانبها بالتـُرب و الفِلَقِ

فما تـَـزَوَّدَ مما كان يَجمعُهُ **** إلا حَنوطاً و ما واراهُ مِن خِرَقِ

و غيرُ نـَفـْحَةِ أعوادٍ تـُشـَبُّ له **** وقلَّ ذلك من زادٍ لمُنطِلقِ

فتـنهمر هاطلة دموع عمر ، وتختـلط بأصوات نشغاته ، ليتجاوز تَرادّ صداها دهـوراً تـتعاقب ، يـقود المربين المسلمين .

 

·        عـودة إلى الـرشـد :

ولئن توالى اليوم فراق الأحبة ووداع الرعيل الأول المتجرد المتواضع المؤسس لـلحركة الإسلامية المعاصرة ، لنبكـيه مع هجمة المال بكاء أبي الدرداء ، أو بكاء سلمان الفارسي ، وفي رواية أخرى حذراً وغربة ، حين افتـقدا ، رضي الله عنهما ، حزب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن بكانا لا يحق له أن يهبط بنا إلى تأوهات تجاوزتها همتهما ، ولا بد لنا - مع بداية مرحلة جديدة تُرشِح دعوتـنا لملء فراغ تركه فشل التطرفات القومية و الشيوعية - من ارتـقاء درجات الاستدراك التربوي ، هامسين لكل داعية بمواعظ عمر ، لتعود لنـفسه فتوتها و إقدامها ، وتطـلعها الأخروي ، فإنه قد طال التجوال في البطالة ، و لربما حـيـَّر ، وامتـد الركون إلى الاغتـرار و كأنه قد غيـّر .

وكأن بالداعِ قد يبكي **** عليه اقربوهُ

و كأن القوم قد قاموا **** فقالوا : أدركوهُ

سائلوه ، كلموهُ ****حرّكوه ، لقـنوهُ

حرِّفوه ، وجِّهوهُ **** مدِّدوه ، غمضوهُ

عجَّلوه لرحيلٍ **** عجّلوا لا تحبسوهُ

ارفعوه ، غسلوهُ **** كـفـِّـنوه ، حنّطوهُ

فإذا ما لُفَّ في الأكفان **** قالوا : فاحملوهُ

أخرجوه فوق أعواد  **** المنايا شيّعوهُ

فإذا صلوا عليه ****قيل : هاتوا و اقبروهُ

فإذا ما استودعوه **** الأرض رهناً تركوهُ

خلـّـفـوه تحت رمسٍ **** أو قـروهُ ، أثـقـلوهُ

أَبعدوهُ ، أَسحَقوه **** أوحَدوه ، افردوهُ

ودّعوه ، فارقوه **** اسلَموه ، خلــَّـفـوه

و انثنوا عنه و خلّوه **** كأن لم يعرفوهُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8- تـِلالـنـَـا الـهـامِـدة

 

لئن رأينا أبا الدرداء رضي الله عنه بعد فـراقة حزب محمد صلى الله عليه وسلم باكياً ، فإنه سرعان ما انـقلب ضاحكاً ، ليقول : ( أضحكني : مؤمل الدنيا ، والموت يطلبه , وغافل ، ليس بمغفول عنه , و ضاحك بملء فيه ولا يدري أرضى الله أم أسخطه ) [108]

وإنما هـو ضحك التعجـب من صورة حياتية يشاهـدها كل مراقب لحياة الناس ، يرى خلالها أنماطاً من الغـفـلة تحرف شدةُ طمع تصاحبها بعضَ الناس عن رؤية مصير رهيب يتخطف غيرَهم من حولهم ، وما لهم أدنى ضمان لدفعه لو جاءهم كما يجيء أولئك .

فالناس في غـَفـَلاتهم **** ورَحى المنيّة تـَطْحنُ

وهي ضحكة قد تهجم على صاحبها لأول وهـلة حين يحار في تـفسير هذه الظاهرة ، لكنها سرعان ما تتحول إلى شفـقة ورحمة تأبى إلا أن تصدم الغافل صدمة إيقاظ تخرجه عن سكونه .

رحمة حركـت أبا الدرداء برفـق فأتى إلى هـذا الذي أضحكه فنـقـر بأصبعه على كتـفه فالتـفـت ، فهمس في أذنه أن : ( ويحك كيف بك لو قد حُـفِـرَ لك أربعُ أذرع من الأرض ) [109] وما نـدري مدى حظ ذاك المرء من التوفيق ، إن كان انخلع من غـفـلتـه أم سَدر فيها ولكنا ندري أن هـمسة أبي الدرداء ما زالت حية ، وأن ما ذرعه لم تـزده الأيام سعة وطولاً ، وأن قبل هذه الأذرع الأربعة وبعدها قصة متصلة المشاهـد ، يرويها الرواة لمن يلـقي السمع وهـو شهيد .

 

·        يــوم الـحــصـاد :

مشهدها الأول : يوم الحصاد : يوم يحصد الموت الروح كما يحصد المنجل الزرع .

وليس في  التشبيه مفارقة ، فإن حصاد هذه الأرواح يحوي مثـل ذلك من الفوائد ، من بين موت شهادة ظاهـر نفعه ، وموت دون ذلك يكون للغير سبب اعتبار و ادكار .

وذلك ما صوره الشاعر حين خاطبك فقال :

ما أنت إلا كزرع عند خُضرته **** بكلِ شيء من الآفات مقصودُ

فإن سَلِمتَ من الآفات أجمعها **** فأنت عند كمال الأمر محصودُ

أو قد يسمى هذا اليوم :

يوم الصراخ ، و ذاك حين يعرق الجبين ، و يتتابع الأنين ، وتكون الغرغرة ، وتبرد الأعضاء ، وتستبد السكرات ، فيفتضح الضعف ، فيعلو الصراخ .

باكيات عليك يندبن شَجوا **** خافقاتِ القلوب و الأكبادِ
يتجاوبن بالزنين ويذرفن **** دموعاً تفيض فيض المزادِ

فيأتي من يحبسْهن جانباً ، ليغسلوك على عجل .

عجلة يضجـر الغاسل معها إن تباطأ من يحمي الماء ، فينادي : ألا إن وراءنا أشغالنا فاستعجلوا !!

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لو تكـلم الـمـوت

كتبها المحتسب زاوي ، في 6 فبراير 2012 الساعة: 20:43 م

 إخواني في الله أن تتصور حال الموتى فهذا نوع من التذكر المحمود لموتٍ موعود،كما قرر ذلك ابن الجوزي-رحمه الله تعالى-في صيد الخاطر حين قال: من أظرف الأشياء إفاقة المحتظر عند موته فإنه ينتبه إنتباهاً لا يوصف ويقلق قلقاً لا يحد ويتلهف على زمانه الماضي ويود لو تُرك كي يتدارك ما فاته ويصدق في توبته على مقدار يقينه بالموت ويكاد يقتل نفسه قبل موتها بالأسف ولو وجد ذرة من تلك الأحوال في أوان العافية حصل له كل مقصود من العمل بالتقوى،فالعاقل من مثّل تلك الساعة وعمل بمقتضى ذلك،فإن لم يتهيأ  له تصوير ذلك على حقيقته تخايله على قدر يقظته،فإنه يكف الهوى ويبعث على الجد؛لنعش لحظات مع هذا التذكر على منهج ابن الجوزي-رحمه الله-لحقيقة الموت في وقفات تسع. 

 

 

-الوقفة الأولى:يا ليت قومي يعلمون        -الوقفة الثانية:جـار غيـر عـزيز 

 

 

 

-الوقفة الثالثة:ولقد جئتمونا فرادى         -الوقفة الرابعة:رفيقـة الـدرب

 

 

 

-الـوقـفـة الخامـسة:ذبـول وردة            -الوقفة السادسة:فـي الاستـراحة

 

 

-الوقفة السابعة:ألا لله الدين الخالص         -الوقفة الثامنة:هذه أموالي تقسم 

 

 

 

 

 

-الوقفة التاسعة:معالم النجاة

 

 

تصور لو أن أهل القبور خرجوا من قبورهم،خرجوا بأكفان بالية ووجوه مغبرة،خرجوا من سكون القبور وظلمتها إلى ضجيج الأرض وأضوائها،فركوا عيونهم،عركوا آذانهم ثم انطلقوا في أنحاء المدينة أشباحاً مهيبة ليحدثونا عن هول ما رأوا فماذا عساهم أن يقولوا بعد هول المطلع وسؤال منكر ونكير وحساب عسير،وكيف يا ترى سيكون حديث الأموات للأحياء.

الوقفة الأول:يا ليت والدي يعلم 

هذا فتى مات في ريعان شبابه اختطفه الموت وهو أوسع الناس أملاً في العيش وأكثرهم رجاءً في متاع الحياة الدنيا،مات على إسراف منه بالمعاصي،فماذا عساه أن يقول لأبيه المفرّط في تربيته لو لقيه في هذه الدنيا لعله أن يقول:ياأبتي لقد رأيت ثمار ذنوبي وهي آثار تربيتك رأيت هذه الثمار ناراً تلظى وجحيماً لا يطاق،يا أبتي لقد كنت في حياتي تُعنى كثيراً بلباسي ومأكلي ومشربي ولكنك لم تكن تُعنى بقلبي وروحي لقد أهملتني في بداية مراهقتي،فلم توجهني إلى أصدقاء صالحين،لم تكن تهتم بما أصاحب من أقاربي وجيراني وزملاء دراستي،لقد كانت فترة التأثير المثالي هي ما بين سن السابعة إلى سن الخامسة عشر وكنت تعلم وقتها ياأبتي أن هذه المرحلة هي مرحلة تصويب الولد نحو الهدف الصحيح،كنتُ أنا السهم وكنتَ أنت اليد والقوس والوتر،في هذه المرحلة كنا يا أبتي نتلقن كل شيء ونحب كل شيء ونستطلع كل شيء،في هذه المرحلة كنا نقلب أنواع الأصدقاء في معرض الدنيا العريض،أيهم ننتقي وأيهم نقتني وأيهم نصاحب،كنا في هذه المرحلة العجيبة عجينةً غضةً طيـّعة تستطيع توجيهنا الوجهة الصالحة،يا أبتي لكنك كنت وقتها تقضي أكثر أيام أسبوعك في الاستراحة مع الأصدقاء أو مع الزملاء أو مع الأقارب وفي مرات كنت تتابع تجاراتك التي لم تزد من سعادتك بل أحالت وجهك البشوش إلى صحراء من العبوس والغبرة والتشاؤم لم تكن يا أبتي تهتم باهتمامات مباحة لذلك كُنت أبحث عنها عند أيّ أحد مهما كان مقصده في توفيرها لي،ثم إنك جعلت علاقتي بك كعلاقة مدير مؤسسة فاشل بمرؤسيه،كانت علاقة الغطرسة والرسمية حتى أصاب علاقتي معك جفافاً وجفاءً وفجوة فلم أعد أقبل منك توجيهاً ولا نصيحة بسبب هذا الجفاء،ياأبتي لوأنك جعلتني صديقاً من أصدقائك لكان تأثيرك فيّ أكبر ولكنك كنت تعتبر هذه الصداقة مع أولادك ضرباً من التنازل الذي لا يليق برئيس مؤسسة محترمةٍ على حد زعمك، يا أبتي لو كنت أستطيع أن أقول غفر الله لك إهمالك في تربيتي لفعلت،ولكنني حينما فارقت هذه الدنيا بذنوب ثقيلة فإنني لا أملك أن أستغفر لنفسي من ذنب واحد من ذنوبي فكيف بذنوب غيري،ولكنك أنت الذي لازلت في دار المُهلة وتستطيع أن تستغفر لي ولنفسك، يا أبتي: إن تسببك في انحرافي لن يخفف عني شيئاً من العذاب الذي لقيته ولكنني أدعوك إلى التوبة من إهمالك لي وأدعوك إلى أن تتدارك الأمر مع بقية أخوتي قبل فوات الأوان،يا أبتي تدارك نفسك بالتوبة وتدارك إخواني بحسن التربية فلعل صلاحهم أن يكون سبباً في نجاتي يوم الدين. 

الوقفة الثانية:جار غير عزيز 

 

 

 

 

 ولعل رجلاً من أهل هذه القبور أخذ يتهادى حتى وقف بباب جاره فلعله أن يعاتبه فيقول:جاري العزيز لقد كنت تطرق بابي فزعاً إذا رأيت الماء قد تسرب من الخزان العلوي حرصاً منك على مصلحتي ولكنك لم تكن تنبهني على بعض أصدقاء السوء الذين يخالطون أبنائي،لم تكن تذكرني بإهمالي لصلاة الجماعة،لم تكن تنبهني على إدخالي لأجهزة الفساد إلى منزلي، لقد كان حقيّ عليك أكثر من حقوق سائر الناس عليك فلو علمت يا جاري العزيز أن احتفاظك لنفسك بالصلاح لا ينجيك يوم الدين لمَا أهملتني،ولو علمت أن استثقالي لنصيحتك لا يسوّغ لك ترك نصيحتي ولبادرت إلى هذه النصيحة.

 

 

 

 

 الوقفة الثالثة:ولقد جئتمونا فرادى

 وهذا رجل تقلّب في مناصب مؤسسة خاصة أو عامة،كان في هذه الدائرة ملئ السمع والبصر،امتلأت ردهاتها بآماله العراض بل كادت لا تتسع لتلك الآمال ولقد فاجئه الموت وهو أوسع الناس أملاً وحرصاً ومزاحمة،كان يدخل دائرته التي اعتاد الدخول إليها كل صباح بنفس متوثبة متفائلة متطلعة إلى مستقبل وظيفي أكبر،لم يكن حين ذاك يفكر بالموت ولا ما بعده من هولٍ وعذاب ،فلو دخل دائرته بعد خروجه من قبره وتذكر وهو يلملم أكفانه المغبرة كم كان في دنياه في غرور،وكم كانت الأماني تضرب به في كل واد دون أن يفكر في حفرة القبر التي أودع فيها رهين عمله،لقد كان يتبختر في هذه الممرات بثيابٍ جديدة جميلة،لو وقعت عليها خردلة من غبار لنفضها بسبابته وهو الآن يلملم أكفاناً بالية بلغ الغبار والنتن منها كـل مبلغ ولعله لو مرّ بقسم الترقيات في دائرته لتذكر،كم كانت تزهق النفوس وتشرأب الأعناق للحصول على مرتبةٍ أو علاوة،بل ربما بذل دينه ومروءته من أجل ترقيةٍ أو علاوة وقد أيقن الآن ولكن بعد فوات الآوان أن رفعة الدرجات إنما هي عند الله وحده وأن علو مقام المرء إنما هو في قربه من الله وتمام عبوديته له،أما العبودية للدنيا فلا تزيده إلا حسرة وندامة وتشتتاً ولعله لو مر بغرفة بعض موظفيه لوجد هذا الموظف على عادته في الوشاية بزملائه ووضع العراقيل أمام أعمالهم ومشاريعهم حتى لا يظهر لهم نجم ولا يعلو لهم شأن ولا يعم لهم نفع وحتى لا يسبقوه بحسن رأي ولا جودة عمل فماذا عساه أن يقول لهذا الموظف لو رآه واستطاع أن يتكلم لعله أن يقول:هب أنك نافست مثل ما كُنتُ أنافس بالحلال والحرام فسبقت أقرانك وبرزت أترابك أليست سنياتٍ معدودة إن مُّد لك أجل ثم تأول بك الحال إلى عالم التقاعد حيث ينفض عنك أهل المصالح وتصير في عالم النسيان،هذا مآل الوظيفة في الدنيا أما مآلها في الآخرة فحفرة القبر الموحشة حيث لا أنيس إلا عملٍ صالح،ولعله أن يقول:كنا سمي المتورعين عن المنافسة المحرمة نسميهم سذجاً أو دراويش ذوي ورعٍ بارد لا طموح عنهم ولا يعرفون قيمة النجاح ولا يتذوقون طعم السباق مع الأقران،ولكن علمنا ولا ينفعنا هذا العلم الآن أن طريقتهم هي طريقة النجاة وأن المنافسة الحقيقية هي في قلب سليم وعمل صالح ينجو بها العبد من عذاب القبر الرهيب،وأن المنافسة الصحيحة هي التي لا تضر بالآخرين ولا تمنع مسيرة الخير ونفع الناس،آه آه ليتني أعود إلى الدنيا لأصفي سريرتي وأًحسن سيرتي،تالله إن صفاء السيرة هي راحة البدن وهي راحة النفس في الدنيا وهي النجاة في الآخرة،آه مما فعلنا بأنفسنا وما غرتنا هذه الدنيا وما أطعنا فيها إبليس الضلالة،وكنا نسمع قول الله تعالى{ وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }{ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ }ولعل صاحبنا ذلك الرئيس أن يرى في آخر الممر مكتب سعادة المدير حيث كان هو مديراً قبل وفاته،لقد تعود في هذا الممر أن يرى لأعوانه هناك إنتشاراً وخطفه وأصحاب المصالح بين يديه لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء والمراجعون يصدرون عن مكتبه بين موهوب ومحروم،رأى هذا المدير على ما عهد نفسه من إقصاء الأكفاء من الموظفين خوفاً من منافسته على جاهه وسلطانه فمرة بالعزل وأخرى بالمضايقة وأخرى بالتهميش رآه على ما كان يعرفه من نفسه من تكثير ذوي المطامع الذين لا يعرفون الذكاء إلا فيما يخدم سعادة المدير،ويكثر جاهه ويعظم سلطانه ومن ثم يحظون عنده بالرتب العالية والتقارير الكاذبة،لقد تعلم المدير وأعوانه بفطرةٍ مدنسة أن الدائرة التي لا تنجز مصالح الناس ومياه أعمالها دائماً جارية نقية يُرى باطنها من ظاهرها إنها إدارة لا تحقق المصالح الشخصية فلا بد من العمل بحرية من توفير مستنقعات آسنة متعكرة من مصالح الناس المتعطلة تسهل فيها حركة اللصوص ويسهل فيها اللعب على المغفلين فلذلك جعلوا هذه الدائرة في فوضى دائمة ثم حجبوا الناس عن سعادته حتى يوفروا هذه المستنقعات التي تعيش فيها الحشرات القذرة التي تحسن السمسرة في شراء الذمم وبيعها وهكذا حزن الاثنين معاً تعطيل مصالح الناس وأكل المال الحرام الذي يبذله الناس لإنجاز مصالحهم لعله أن يقف متأملاً في غمرة المراجعين بكفنه البالي المغبر فيقول:لو كان عندي القليل من التقوى والقليل من معرفة حال الدنيا وحال الآخرة لرأيت أن في النصح للناس أعظم الأجر والمثوبة،ماذا بقي معي في قبري من بريق المال الذي كنت أبذره بلا عد ولا حساب وأتمتع به بلا خوف من حشر وعذاب وماذا بقي معي من ضجيج الشرف وجلبة الأعوان وكثرة العلاقات والاتصالات وما أراه في عيون الناس من تعظيم وتبجيل،لقد تلاشى ذلك كله كبخار في يوم صائف فلم أدخل في هذا القبر من مالي وشرفي إلا بكفن،لله كم كنت مغروراً بهذه الدنيا حينئذ فقط أدركت معنى قوله-صلى الله عليه وسلم-((ماذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه))لقد كنت أرى ذلك كلّه ولكن نفسي كانت تزيّل لي ما أفعله وكانت شدة الإبهار في أنوار الدنيا تحجب عني رؤية الحقيقة فلم أتبينها إلا حين فات وقت الندم{ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} 

 الوقفة الرابعة:رفيقة الدرب

 

 

 

 

ولعل أحدهم حين خرج من قبره أن يلقى زوجته فيقول لها:كم كنتُ أرتكب الحرام رداً لجميل وفائك وعظيم صبرك وكم كنتُ أتساهل في الموبيقات من أجل سواد عينيك،لـقـد كنت أسافر السفر المحرم والسياحة السيئة بسبب حبي لكِ ومن أجل كلمة ثناء طيبه من لسانك العذب الرقيق،وكنتُ أُدخل أجهزة الفساد إلى منزلي من أجل ما تشتكين من فراغ قاتل على حد زعمك،لم أكن مقتنعاً بالكثير مما كنت أفعله بل كنت أعرف أنه الطريق الخطأ ولكنني في سكرة الهوى وحب الدنيا نسيت كل شيء،لقد كانت عقوبة ذلك ناراً لا تطاق وجحيماً لا يحتمل لقد كنت أستمع من كتاب الله إلىهذه الآيات { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ولم أكن والله لأرد كلام ربي،ولكن سلطان الهوى حجب عني تلك المخاطر حتى كنت أقول كيف تكون هذه الوردة الجميلة عدواً يستوجب الحذر ،الآن عرفت ذلك ولكن لم تعد تنفع المعرفة الآن ندمت ولكن لات حين مندم،لقد كنت أسمع كلام الله،لكنه سماع أذن لا سماع قلب،كنت أسمع قوله تعالى { فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }.

 

 

 

 

 الوقفة الخامسة:ذبول وردة

 

 

 

 

هذه فتاة ماتت في عمر الورود كانت ترى الحياة مرحاً وسعادة،كانت ترى أن أعظم السعادة هو أن تكون محط أنظار الناس وسبب إعجابهم فلذلك سعت إلى التميز في كل شيء ،في ملابسها في مشيتها،سعت إلى جديد الموضات حلالاً كانت أو حرام،تأخذها من أي وسيلة إعلامية،من المجلة أو التلفاز أو المحطة الفضائية،المهم هو التميز مهما كانت الوسيلة،فمرة تشبهت بالكافرات،ومرة تشبهت بالفاسقات،ومرة تشبهت بالممثلات والمغنيات،ومن أجل هذا  التميز وتلك الجاذبية نزلت إلى الأسواق ومجامع الناس وقد ليست العباءة الضيقة لتتمتع على حد ظنها بالنظرات الجائعة،ومن أجل هذا التميز خرجت في الحفلات بثياب تخرج أكثر جسدها،وما سترته من جسدها فهو ضيق يجسّم عورتاها؛ياترى ما عساها أن تقول لو خرجت من قبرها وتكلمت:يا أمي لقد رأيت عذاب الله تعالى في ذلك القبر الموحش،رأيت عذاب الله حين أغريت الشباب ورأيت حين كنت أسوة سيئة للفتيات وقدوة سيئة لأختي الصغيرة في دخول هذه الطرق،أماه إذا كان هذا ما أصابني بسبب إقتداء أختي بي،فما ظنك بعذاب الله لمن كانت السبب الأول في انتشاره وما الظن بعذاب الله تعالى لمن يصنع هذه العباءات أو يبيعها،أماه لقد كنت أبدي مفاتن جسدي بطرق متعددة فمرة بالنقاب الواسع الذي يبدي عينين كحيلتين ويظهر أهداباً كسهام مريّشة حادة،أغرسها في قلوب الرجال لتصيبها في مقتل ومرة أدع العنان لعباءتي لتسفر عن نحرٍ أبيض و جيِد فضي،كوجهي في الضحى فتطير لذلك عقول وتضطرب أفئدة،أو أظهر قواماً كغصن البان حتى أطرب لتأوهات المفتونين،ومرات ومرات كنت أغش الحفلات وقد خلعت جلباب الحياء فأنا كاسية عارية إذا رآني الرائي فلا يخالني إلا في حفلة غربية ماجنه،أبديت فيها عضداً كجمّارة نخلة فتية وأظهرت ساقاً وجزءاً من فخذ وظهر،فعلت كل ذلك حتى أبدو متميزة في مظهري،أتدرين يا أماه كيف آلت بي الحال في قبري لقد سالت تلك الأعين النجل مع سهامها المريّشة على خد متعفن مجعّد أسود،وصار ذلك النحر الفضي قطعة جلد أسود تتدلا أطرافه على عظام نخرة لتلامس قلباً طالما امتلأ بالهوى القاتل والغرور بالدنيا الفانية وطول الأمل الكاذب،لا أدري يا أماه كيف كنت أرى الدنيا طويلة طويلة،وأنا أرى الناس يموتون كل يوم ممن حولنا من الجيران والأقارب والأصدقاء،لا يفرق ملك الموت بين صغير وكبير وغني وفقير وملك وحقير،لله يا أماه كم كانت تلك المواعظ ترق أذني وتشاهدها عيني وتحسها يدي ومع ذلك لا أجد لها في نفسي أثرا إن السبب هو غلبة الهوى وحب الدنيا من الشهرة والتميز الكاذب والمفاخرة الجوفاء وحينئذ فقط عرفت معنى قول الله تعالى{ أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ }أماه إن ما أفعله هي منافسة ومسابقة ولكنها مسابقة لتحصيل نبات أخضر بهيج ولكنه بعد برهة يأول سريعاً إلى زوال،والسباق الحقيقي الثابت النافع إنما هو لتحصيل مغفرة الله تعالى وجناته{ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

 الوقفة السادسة: في الاستراحة

 

 

 ولعل من هؤلاء رجل وقف على أصحابه بأكفان بالية المترّبة وهم في استراحتهم،هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يقضي معهم جلّ وقته،هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يقدم محبتهم على محبة والده ووالدته وأخوته،حيث كان يتفقد أحوالهم ولا يتفقد أحوال أقاربه،كان يأنس بلقياهم ولا يأنس بلقيا أقرب مقربيه كان لا ينام حتى يهاتفوا بعضهم،لقد كانوا ملء سمعه وبصره ولعله لو خرج من قبره وذهب إليهم في ناديهم لتذكر كم كانت الأوقات تذهب سدى لقد كان يقطع في طريقه إليهم ما يقارب نصف ساعة،كان يستطيع أن يسبح في هذا الطريق أكثر من ألف تسبيحة ولعله أن يقول: كم كانت الأوقات تذهب سدى هذه ألف تسبيحة في طريق الذهاب فقط بكل تسبيحة صدقة فلماذا كنا نضيع الوقت فيما لا ينفع،ونحن من أحوج الناس إلى هذه الحسنات والصدقات،لتكفير عظيم السيئات،لقد قضيت معهم من عمري أكثر من عشر سنوات لم أمسك بيدي فائدة واحدة في ديني ودنياي فيما كان أهل الخير يخرجون بنتائج باهرة،فمرة بمذاكرة علم،ومرّة بمؤانسة محببة،ومرة بتعاونٍ على مشاريع الخير والبر ويشجع بعضهم بعضا عليها،هكذا يكون قضاء الأعمال فيما ينفع في الدين والدنيا ولعله لو أطلّ على مجلسهم لتخيل نفسه بينهم،هذا مكانه هذا موضع مرحه هذه قوته هذا شبابه،آه ليتني أعود إلى هذه الدنيا في تلك القوة والنشاط لأعبد الله حق عبادته لأتوب من ذنوبي لأستكثر من الحسنات،آه ليتني أعود لهذه الدنيا لأقول لهم لقد عودتموني على كل عادة قبيحة وعلمتموني كل معصية لله-عز وجل- سوف أترككم إلى الأبد لأبدأ حياتي من جديد في طاعته ورضوانه في كنفه وقربه لقد كانت الآيات تطرق سمعي وكأنه يُعنى بها غيري { ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } { الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ }{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً}

 

 

 الوقفة السابعة:ألا لله الدين الخالص

 

 هذا رجل عوّد نفسه على الرياء فأصبح لا يعمل العمل الذي يُبتغى به وجه الله إلا بحافز من نظرات الناس،فلا يصلي نافلة إلا بمحضرهم ولا يعمل خيراً إلا بثنائهم فغابت عنه لذة المخلصين في العبادة والأعمال الصالحة،لقد علم في قبره أن أعماله لم تكن إلا سراباً بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب،لقد تبخرت هذه الأعمال التي لم تكن في الحقيقة إلا فقاعة أزالتها نفخة من فم الحقيقة الذي لا يكذب وليت الأمر وقف عند حبوط العمل بل صار الرياء سبباً من أسباب العقوبة من تصغير وتحقير وكنا نسمع قوله- صلى الله عليه وسلم-:((من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغّره وحقره))ولكن تسمع الأذن ولا يعي القلب،ماذا أفادتنا نشوة الرياء الكاذبة عند سكون القبر القاتل،ماذا نفعنا ثناؤهم عند سؤال منكر ونكير،لماذا كنت أفرح بنظرة الناس إليّ وهؤلاء الناس هم الذين وضعوني في حفرة القبر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من شمائل الحبيب صلى الله عليه وسلم

كتبها المحتسب زاوي ، في 5 فبراير 2012 الساعة: 23:36 م

 من روااااااائع خطب


الشيخ صالح آل طالب حفظه الله . 

بعنوان من شمائل الحبيب صلى الله عليه وسلم . 

رابطها الصوتي 

http://www.islamway.net/?iw_s=Lesson…esson_id=67218

تفريغ الخطبة .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور 

أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا 

هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عزعن الشبيه

وعن الند وعن النظير { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير 

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم 

البعث والنشور وسلم تسليما كثيرا ..

أما بعد

فا اتقوا الله تعالى وراقبوه وأطيعوا أمره ولا تعصوه { يا أيها الذين

آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير

بما تعملون } بالتقوى تستجلب الأرزاق وتفتح الأغلاق وتفرج 

الكرب وتدفع النقم { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من 

حيث لا يحتسب } أيها المسلمون :

حديث اليوم حديث تستلذه الأسماع وتهفو به الأفئدة وتجثو عنده 

العواطف ، حديث اليوم في سيرة تتقاصر دونها السير ، وصفات 

لا تدانيها الأوصاف ، إنه لمحات ونفحات تعبق من صفات 

الرسول المجتبى ، وشمائل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم 

شذرات تزيد الحب حبا ، والقلب قربا ، تجدد الإيمان ، وتعضد 

الولاء ، وتثمر الإتباع صفاته وشمائله وكراماته وفضائله أفق أفيح 

، وسماء رحبة ، وحديقة غناء يحار الناظر ماذا يقطف ؟

وأي شيء يتخير ؟ 

أيها المسلمون ..

حين نتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا نتطلب زيادة
 

الإيمان ومزيد التعظيم والتبجيل وقدره حق قدره وازدياد محبته 

وكل ذلك مطلوب شرعا والثمرة في ذلك طاعته وإتباعه وتعظيم 

أمره ونهيه واقتفاء سنته والثبات على شرعته .

أيها المسلمون ..


ومع إيماننا بأنه بشر مخلوق إلا أن الله تعالى جمّله وكمّله ، وطيّبه
 

خلقا وخُلقا ، وجمع له الفضائل كلها نسقا متسقا محمد بن عبدالله

ابن عبدالمطلب الهاشمي القرشي ،الهاشمي القرشي شرف نسبه 

وكرم أصله وفضل بلده ومنشأه لا يحتاج إلى دليل عليه فإنه نخبة

بني هاشم وسلالة قريش وصميمها وأشرف العرب وأعزهم نفراً 

من جهة أبيه وأمه صلى الله عليه وسلم ؛أما بلده مكة فأكرم بلاد

الله على الله وعلى عباده محمد بن عبدالله رسول الله وخليله 

فاضت بمحبته القلوب وامتلأت بإجلاله الصدور وأسبغ الله عليه

من الحسن والجمال في منظره ومخبره وخلقه وخُلقه ما جعله آية 

في الكمال والجمال وصفته أم معبد فقالت :

( إنه ظاهر الوضاءة ،

أبلج الوجه ، حسن الخلق ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي 

أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، وفي عنقه سطع ، أحور 

أكحل ، أزج أقرن ، شديد سواد الشعر ، إذا صمت علاه الوقار ، 

وإذا تكلم علاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد ، وأحسنه 

وأحلاه من قريب ، حلو المنطق ، فضل لا نذر ولا هذر ، لا 

تقحمه عين من قصر ، ولا تشنأه من طول )

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصفه :

( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض مشربا بحمرة ، أدعج

العينين ، أهدب الأشفار ، إذا مشى تقلع ، كأنما يمشي في صبب 

، وإذا التفت التفت جميعا ، بين كتفيه خاتم النبوة أجود الناس كفا ، 

وأجرأ الناس قدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفاهم ذمة ، وألينهم 

عريكة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه )

يقول ناعته ( لم أرى قبله ولا بعده مثله )

وقال أبو الطفيل : ( كان أبيض مليح الوجه )

وقال أنس رضي الله عنه : ( كان بسط الكفين ، أزهر اللون ، 

ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ، إنما كان شيء

يسير في صدغيه )

وقال البراء رضي الله عنه : ( كان مربوعا ، بعيد ما بين المنكبين

، له شعر يبلغ شحمة أذنيه ، رأيته في حلة حمراء ، لم أرى شيئا 

قط أحسن منه ، كان مثل القمر )

وقال جابر رضي الله عنه : ( كان لا يضحك إلا تبسما ، إذا

نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل ، رأيته ليلة أضحيان

" أي ليلة بدر " فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 

وعليه حلة حمراء وأنظرإلى القمر فإذا هوعندي أحسن من القمر )

وقال أبو هريرة رضي الله عنه : ( لم أرى شيئا أحسن من رسول

الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه وما رأيت 

أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما

الأرض تطوى له وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث )

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ( كان أبلج الثنيتين ، إذا تكلم 

رُؤي كالنور يخرج من بين ثناياه )

وقال أنس رضي الله عنه : ( ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين 

من كف النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شممت ريحا ولا عرفا 

أطيب من ريح أو عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ) 

ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وأقبل الناس

ينظرون إليه جاء عبدالله بن سلام رضي الله عنه مع الناس لينظر

إليه وكان من أحبار اليهود وعلماؤهم يقول : 

فلما نظرت إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه 

ليس بوجه كذاب .هذه بعض أوصاف النبي الكريم في جمال الخلق 

وحسن الصورة وكمال الهيئة .أما كمال النفس ومكارم الأخلاق فقد 

كان في أعلاها وله من الذرى أسناها ويكفي في ذلك شهادة ربه له 

: { وإنك لعلى خلق عظيم } وقال صلى الله عليه وسلم " أدبني

ربي فأحسن تأديبي " لذا فقد كان مثالا عاليا في كل فضيلة ،

كان صلى الله عليه وسلم دائم البِشر ، سهل الخلق ، لين الجانب

، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عتاب ولا مداح ، 

طويل السكوت ، لا يتكلم في غير حاجة ، لا يذم أحدا ولا يعيره ،

ولا يتبع عورته ، يعفو ويصفح ، ويعاشر الناس بالرحمة واللطف 

يتغافل عما لا يشتهيه ولا يذمه . أما الحلم والاحتمال ، والعفو

الصبرفهي صفات ميزه ربه بها " ما خير بين أمرين إلا اختار 

أيسرهما مالم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه "


ما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فإنه يغضب لله .

أما الجود والكرم والبذل والعطاء

فإنه يعطي عطاء من لا يخشى 

الفقر ، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أعدل الناس 

وأعفهم وأصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة كان يسمى قبل نبوته 

بالصادق الأمين وكان أشجع الناس لاقى الشدائد والأهوال وثبت 

وصمد لم يلن ولم يتزعزع قال علي بن أبي طالب رضي الله 

عنه : ( كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله 

صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه )

أما أدبه وحياؤه فيقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : (كان 

أشد حياء من العذراء في خدرها ) ( وإذا كره شيئا عُرف في 

وجهه ) رواه البخاري . لا يثبت نظره في وجه أحد نظره إلى

الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، كان

متواضعا بعيدا عن الكبر، يعود المساكين ، ويجالس الفقراء ، 

ويجيب دعوة العبد ، ويجلس في أصحابه كأحدهم ، ويمنع من 

القيام له كما يقام للملوك ،تقول عائشة رضي الله عنها : ( كان

يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويحلب شاته ، ويعمل بيده كما 

يعمل أحدكم في بيته ) كان أوفى الناس بالعهود وأوصلهم للرحم

وأشفقهم وأرحم الخلق بالخلق وصدق الله { لقد جاءكم رسول من

أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف

رحيم } إنها الرحمة التي جمعت له قلوب الخلق { فبما رحمة من 

الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } لطف

في المعشر وتبسمه عند اللقاء في الصحيحين عن جابر رضي الله

عنه قال : (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت

ولا رآني إلا تبسم ) أما زهده في الدنيا فحسبك تقلله منها 

وإعراضه عن زهرتها وقد سيقت إليه بحذافيرها وترادفت عليه 

فتوحها إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند 

يهودي في نفقة عياله وهو يدعو يقول ( اللهم اجعل رزق آل محمد

قوتا )رواه البخاري ومسلم .عن عائشة رضي الله عنها قالت : 

( ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز 

حتى قبض )وقال أيضا : ( ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم 

دينارا ولا درهما ولا شاتا ولا بعيرا )وقالت : (

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كيف تغير نفسك ؟

كتبها المحتسب زاوي ، في 5 فبراير 2012 الساعة: 21:19 م

 كيف تغير نفسك ؟

إعداد

القسم العلمي بمدار الوطن

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد …

فقد سئم كثير من الناس حياة الغفلة والشرود والبعد عن الله تعالى . وتاقت أنفسهم إلى حياة الطهر والعفة والاستقامة ، يريدون أن يعيشوا حياة طيبة سعيدة هادئة مطمئنة ، بعيدة عن نيران الشهوات وأشواك المعاصي والمخالفات .

إنهم ينتظرون رياح التغيير ، ونسمات الإصلاح ، ووميض التوبة ، وإشراقات الاستقامة ، فيتساءلون في حيرة .

كيف نغيِّر أنفسنا ؟

كيف ننهض من كبوتنا ؟ 

كيف نستيقظ من غفلتنا ؟

كيف نعالج واقعنا الأليم ؟ إلى هؤلاء جميعاً أهدي هذه الكلمات .. 

الـبـدايـة

أخي الحبيب ! إن مجرد تفكيرك في التغيير يعدُّ – بحدّ ذاته – نوعاً من التغيير ؛ لأن هناك فئاماً من الناس ألفوا حياة الغفلة ، واستساغوا مسيرة الضياع ، واستحسنوا طريق الشهوات ، فهم لا يبحثون عن التغيير ؛ بل لا يتصورون ترك هذه الحياة التي يعيشونها طرفة عين ، ولذلك فإنهم لا يشعرون بألم البعد عن الله ، ولا يحسون بوحشة ، وهؤلاء موتى في صورة أحياء ، لا يعرفون معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، إلا ما أشربوا من هواهم ، وهذا نتيجة تراكم الذنوب على القلب حتى اسودّ وانتكس ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة : ((تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً ، فأيّ قلب أشربها ؛ نُكتت فيه نكتة سوداء ، وأيُّ قلب أنكرها ؛ نكتت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين ، على أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود مربادّاً ، كالكوز مجخِّياً ، لا يعرف معروفاً ، ولا ينكر منكراً ، إلا ما أشرب من هواه )) [ رواه مسلم ]

أما أنت – أخي الحبيب – فما دمت تسأل عن التغيير ، وما دامت نفسك تتطلع إلى السمو والارتقاء نحو المعالي ؛ فإن ذلك يدل على حياة في قلبك وخير في نفسك ، ولكن التفكير في التغيير المطلوب ؛ بل إن الاكتفاء بهذا التفكير دون إحداث دون إحداث خطوات عملية نحو التغيير الحقيقي يجعل هذا التفكير مجرد أماني باطلة لا تنفع صاحبها ؛ بل هي رأس مال المفاليس كما يقال . 

أما الخطوات العملية نحو التغيير فيمكن إجمالها فيما يلي :

1- التأمل في عظم الجناية .

التفكير في التغيير لا يحصل إلا بالتأمل في عظم الجناية نتيجة الغفلة والإعراض عن الله عزَّ وجلَّ ، فيشاهد القلب من خلال هذا التأمل عظمة الرب سبحانه وتعالى وقوته وجبروته ، وأنه خالق هذا العالم العلوي والسفلي ، وأنه رازق هذه الكائنات جميعاً ، وأنه المحيي المميت الفعال لما يريد ، وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له . ويشاهد بعد ذلك ضعف نفسه وحقارته وفقره ، وهو مع ذلك متعدٍّ حدود الله عزَّ وجلَّ ، سائر في مساخطه ، بعيدٌ عن سُبل طاعته ، والربُّ مع ذلك يستره ويرحمه ويرزقه ويحلم عليه ، ويوضح له طريق الخير ليسلكه ، وطريق الشر ليجتنبه ، وهذا التأمل ينتفع به القلب أعظم انتفاع حيث ينزعج من هذا الواقع الذي يعيشه بعيداً عن الله تعالى ، ولا يزال يضرب على صاحبه ويحثه على تغيير هذا الواقع والسير في طريق الهداية والاستقامة .

2- العزيمة الصادقة :

بعد أن يتطلع القلب إلى التغيير لابد من العزيمة الصادقة على هذا التغيير ؛ لأنه لولا هذه العزيمة سرعان ما يفتر القلب ، ويزول عنه هذا الانزعاج ، والعزيمة هي العقد الجازم على المسير في طريق الاستقامة ، ومفارقة كل قاطع ومعوق ، ومرافقة كل معين وموصل ، فهي سبب في استمرار انزعاج القلب وانتباهه ورغبته في التغيير .

والعزيمة نوعان :

أحدهما : عزم الإنسان على سلوك الطريق وهو من البدايات .

والثاني : العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها ، وعلى الانتقال من حالٍ كاملٍ إلى حالٍ أكمل منه ، وهو من النهايات ، وعون الله للعبد قدر قوة عزيمته وضعفها ، فمن صمم على إدارة الخير ؛ أعانة وثبَّته (

[1]) . 

ومتى صدق العبد في عزمه على سلوك طريق الطاعة والاستمرار فيه أعانة الله– عز وجل– بـ(( البصيرة )) وهي نورٌ يقذفه الله تعالى في قلبه يرى به حقيقة الأشياء ومحاسن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومساوئ المخالفة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويتخلص بالبصيرة كذلك من الحيرة والشكِّ الذي يقطعه عن السير في طريق الهداية والاستقامة . 

3- التوبـة :

والتوبة هي الرجوع عمَّا يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه الله ظاهراً وباطناً ، وهي واجبة على الفور ؛ لقوله تعالى : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: من الآية31] .

والتوبة تتضمن ما يلي : 

1. الإقلاع عن جميع الذنوب في الحال . 

2. الندم على فعلها في الماضي .

3. العزم على ألاَّ يعاود الذنب في المستقبل .

4. العزم على فعل المأمور والتزامه في الحال والمستقبل . 

فالتوبة إذن هي البداية العملية للتغيير ، ولا تصح عملية التغيير بدون توبة ، والتوبة كذلك تصاحب الإنسان في جميع مراحل حياته ، فليست خاصة بالعصاة كما يفهم بعض الناس ؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أطوع الخلق قال : (( يا أيها الناس ، توبوا إلى ربكم ، فوالله إني لأتوب إلى الله عزَّ وجلَّ في اليوم مائة مرة )) [ رواه مسلم ] . 

4- المسارعة :

إن عملية التغيير لابد أن تسير بخطى سريعة ؛ لأن البطء يمكن أن يؤدي إلى التكاسل عن إتمام تلك العملية ، وبالتالي الانسحاب من المعركة دون تحقيق شيء من النصر .

قال تعالى : ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133] .

 قال تعالى : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.…..﴾ [الحديد: من الآية21] .

قال تعالى : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: من الآية148] .

ومدح الله عز وجلَّ زكريا عليه السلام وآله فقال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾[الأنبياء: من الآية90] .ومدح أهل الإيمان والخشية بقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[ المؤمنون:61] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة )) [ رواه أبو داود وصححه الألباني ] . والتؤدة هي التأني والتثبت وعدم العجلة .

وانظر إلى مسارعة عمير بن الحمام رضي الله عنه إلى نيل الشهادة ، فإنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض )) .

فقال : يا رسول الله ! جنة عرضها السموات والأرض !!

قال : « نعم » .

قال : بخٍ بخٍ .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب اللطائف

كتبها المحتسب زاوي ، في 5 فبراير 2012 الساعة: 20:55 م

 كتاب اللطائف

 لأبن الجوزي 

مكتبة مشكاة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الإمام العالم الحافظ إمام وقته وفريد عصره وعلامة دهره جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي‏:‏

الحمد لله على ما يوليه حمدا يرضيه وصلى الله على من اجتمعت كل المعالم فيه وقرن اسمه باسم الحق عند الذكر ويكفيه وعلى آله وأصحابه وتابعيه‏.‏

هذا الكتاب رقت عباراته ودقت إشارته نثرته عند الإملاء نثرا من فنون فهو نصيب أكف لا تلتقط الدون جعلته طرازا على ثوب الوعظ وفصا لخاتم اللفظ يعمل في القلب قبل السمع وغلى الله الرغبة في النفع‏.‏

الفصل الأول في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الأول والآخر‏}

لا بصفة الأول يحكم له مبدأ ولا بالآخر صار له منتهى ولا من الظاهر فهم له شح ولا من الباطن تعطل له وصف خرست في حضرة القدس صولة لم وكفت لهيبة الحق كف كيف وغشيت لأنوار العزة عين عين الفكرة فأقدام الطلب واقفة على حمى التسليم جل عن أشباه وأثمال وتقدس عن أن تضرب له الأمثال وإنما يقع الإشتباه والإشكال في حق من له أنداد فحم لما حمّ فزمزم بلطف زملوني فعاد طيف اللطف ينعت الراقد‏:‏ ‏(يا أَيُها المُزَمِل‏)‏ قم يا أطيب ثماركن يا محمولا عليه ثقل قل يا من خلع عليه خلعة ‏(قُم فَأنذِر‏)‏ ومن تحركت لتعظيمه السواكن فحن إليه الجذع وكلمه الذئب وسبح في كفه الحصا وتزلزل له الجبل كل كنى عن شوقه بلسانه‏.‏

عجب القوم من علو منزلته فقالوا بألسنة الحسد ‏(لَولا نُزِلَ هذا القرآن‏)‏ والقدر يقول‏:‏ ماهذا التعجب من نخلة بسقت والأصل نواة ‏(ألم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهين‏)‏ مرضوا لقوة داء الحسد فرأوه بغير عينه فقالوا‏:‏ مجنون يا محمد‏:‏ هذا نقش يرقانهمن لا لون وجهك يا جملة الجمال يا كل الكمال أنت واسطة العقد وزينه الدهر تزيد على الأنبياء زيادة الشمس على البدر والبحر على القطر والسماء على الأرض‏.‏

أنت صدرهم وبدرهم وعليك يدور أمرهم أنت قطب فلكهم وعين كثيبهم وواسطة قلادتهم ونقش فصهم وبيت قصيدتهم شمس ضحاها هلال ليلتها در مقاصيرها زبر جدها‏.‏

الخلائق أشخاص والأنبياء قلوب ونبينا عليه الصلاة والسلام سرهم‏.‏

لما أخذ في سير أسرى فنقل إلى المسجد الأقصى خرج إليه عباد الأنبياء من صوامعهم فاقتدوا بصلاة راهب الوجود لو كان ‏"‏ موسى وعيسى حيين ‏"‏ أمطها عنك يا عمر أمع الشمس بعث بالحنيفية السمحة كانت شرائع الأنبياء كرمضان الصوم وشرع نبينا يوم العيد عرضت عليه الجنة والنار حتى عرف الطبيب العقاقير قبل تركيب الأدوية فل غرب سيف ‏(أََتجَعَلُ فيها‏)‏ ليلة المعراج ظنت الملائكة أن الآيات تختص بالسماء فإذا آية الأرض قد علت لا عجب من ارتفاع صعودهم لأنهم ذوو أجنحة إنما العجب من ارتفاع جسم طبعه الهبوط بلا جناح جسداني كان جبريل عليه السلام دليل الفلاح فلما وصل إلى مفازة ليس فيها علم يعرفه علم ابن أجود أن الصدق أجود فقال‏:‏ ها أنت وربك‏.‏

وقع في بادية القرب فأوجبت هيبة التعظيم أن خرس لسان الطبع فقال‏:‏ لا أحصي ثناء عليك كادت الهيبة تلهبه لولا أن تدورك برش ماء‏:‏ السلام عليك فإذا قامت القيامة فموسى صاحبه وعيسى حاجبه والخليل أمير جنده وآدم ينادي بلسان حاله‏:‏ يا ولد صورتي يا والد معناي‏.‏

الفصل الثالث في ذكر آدم عليه السلام

إياك والذنوب فإنها أذلت أباك بعد عز ‏(اِسجدوا‏)‏ وأخرجته من أقطار ‏(اسكُن‏)‏ مذ سبى الهوى آدم هوى دام حزنه فخرج أولاده العقلاء محزونين وأولاده السبايا أذلة أعظم الظلمة ما تقدمها ضوء وأصعب الهجر ما سبقه وصل واشد عذاب المحب تذكاره وقت القرب كان حين إخراجه لا تمشي قدمه والعجب كيف خطا‏.‏

وَتَلَفَّتَت عَيني فَمُذ خَفِيَت عَنّي الطُلولُ تَلفَّتَ القَلبُ واعجبا لجبريل بالأمس يسجد له واليوم يجر بناصيته والمدنف يقول‏:‏ ارفق بي‏:‏ يا سائقَ البَكَراتِ اِستَبِقِ فَضلَتَها عَلى الروي فظهر البكر مقعور الأسى لأيام الوصال واللسان يقول‏:‏ يا ويلتاه والقلب ينادي‏:‏

يا لهفاه مِن مُعيٌ أَيامَ جَمعٍ عَلى ما كانَ مِنها وَأَينَ أَيّامُ جَمعِ طالِباً بِالعِراقِ يَنشُدُ هيهات زماناً أَضَلّهُ بِالجَزعِ كم قصة غصة بعثها مع بريد السر لا يدري بها سوى القلب مكنونها التأسف ومضمونها التلهف‏.‏

أَلا يا نَسيمَ الريحِ مِن أَرضِ بابلٍ ** تَحمِل إِلى أَهلِ العِراق سَلامي

وَإِنّي لأهوى أَن أَكونَ بِأرضِهِم ** عَلى أَنَني مِنها اِستَفدتُ غَرامي

قُل لِجيرانِ الغَضا آَهٍ عَلى ** طيبِ عَيشٍ بالغضا لو كان داما

حَمّلوا ريحَ الصّبا نَشرُكُم ** قَبلَ أَن تَحمِل شيحاً وَثَماما

فكان كلما عاين الملائكة تنزل من السماء تذكر المرتع في المربع فتأخذ العين في إعانة الحزين‏:‏ رَأى بارِقاً مِن أَرضِ نَجدٍ فَراعَهُ فَباتَ يُسحُّ الدَمعُ وَجداً عَلى وَجدِ فيا شَجراتِ القاعِ مِن بَطنِ وَجرَةٍ سَقاكِ هَزيمَ الوَدقِ مُرتَجِسُ الرَعدُ كان عند رؤية الأملاكن يذكر إقطاعه الأملاك فيكاد مما يأسى يجعل الرجاء يأسا ثم قام بعد مراكب المنى يمشي إلى أرض منى فلولا تلقن الكلمات مات‏.‏

هَل الأَعصَرُ اللاتي مَضينَ يَعُدنَ لي كَما كُنّ لي أَم لا سبَيلَ إِلى الرّدِّ واعجبا لقلق ابن آدم بلا معين على الحزن هوام الأرض لا تفهم ما يقول وملائكة السماء عندها بقايا ‏(أَتَجعَلُ فيها‏)‏ فهو في كربه بلا رحيم أَلا راحِمٌ مِن آلِ لَيلى فأَشتَكي لَهُ ما بِقَلبي حَتّى يَكِلَّ لِساني بُكاءُ آَدَمَ لِفِراق الجَنَةِ لا كَبُكاءِ غَيرِهِ وَكانَت بِالعِراقِ لَنا لَيالٍ سَرقناهُنَّ مِن رَيبِ الزَمانِ ما كان هذا القلق لنفس الدار بل لأجل رب الدار ‏"‏ وما بي لابان بل من داره البان ‏"‏‏.‏

ما فَوقَ الهِجرانُ سَهماً فانثني عَن قَصدِ قَلبي كَلاَّ وَلا نادي الجَوى إلا وَكُنتُ أَنا المُلبّى وَلَقَد وَقَفتُ عَلى مِنى لَولا المُنى لَقَضيتُ نَحبي قال ‏"‏ وهب بن منبه ‏"‏ رضي الله عنه‏:‏ سجد آدم عليه السلام على ‏"‏ جبل الهند ‏"‏ مائة عام يبكي حتى جرت دموعه في ‏"‏ وادي سرنديب ‏"‏ فنبت من دموعه ‏"‏ الدارصيني ‏"‏ و ‏"‏ القرنفل ‏"‏ وجعل طوير الوادي الطواويس ثم جاء جبريل عليه السلام فقال‏:‏ ارفع راسك فقد غفر لك فرفع رأسه ثم طاف بالبيت اسبوعا فما أتمه حتى خاض في دموعه‏.‏

دُموعُ عيني مَذ قَذ جَذَّ بَينُهُم مَثلُ الدَّوالي أَوهَنَّ الدَّوالي كان ‏"‏ آدم ‏"‏ ‏"‏ يعقوب ‏"‏ البلاء جرى القضاء بزلله فما ذنب اللقمة‏.‏

ولكن ظفرتم بالمحبين فارحموا قدح أُريد انكساره فسلم إلى مرتعش لو لم تذنبوا واعجبا‏.‏

كان يبكي للدار مرة وللجار ألفا والفراق يقلقل والبعاد يزلزل وَإنّي لَمُشتاقٌ إلى طيبِ وَصلُكُم كَما اِشتاقَ نَحو الدارَ مَن طالَ لَفتُهُ سَأَبكي الدِّما شَوقاً إِلى ساكِنِ الحِمى فَأفني بِهِ كَنزَ اِصطِبارٍ ذَخَرتُهُ إِذا كانَ دَمعُ العَينِ بالسِرِّ شاهِداً فَلَيسَ بِخافٍ في الهوى ما جَحدتُهُ

الفصل الرابع في صفة الربيع

إِذا تأيمت الأرض من زوج القطر ووجدت لفقده مس الجدب أخذت في ثياب ‏(وَتَرى الأرضَ هامِدَةً‏)‏ فإذا قوي فقر القفر ألقى مد أكف الطلب يستعطي زكاة السحاب فساق الصانع بعلا يسقي بعلا فثارت للغياث مثيرة فجاء الغيث بلا مثيرة ‏(فَسُقناهُ إِلى بَلَدِ مَيت‏)‏ وتأثير صناعة المعلم في البليد أعجب‏.‏

فلبس الجو مطرفه الأدكن وأقبلت خيالة القطر شاهرة سيوف البرق فأخذ فراش الهوى يرش جيش النسيم فباحث الريح بمكنون المطر فاستعار السحاب جفون العشاق وأكف الأجواد فامتلأت الأودية أنهارا كلما مستها يد النسيم حكى سلسالها سلاسل الفضة فالشمس تسفر وتتنقب والغمام يرش وينسكب ‏"‏ انعقد بعقد الزوجين عقد حب الحب ‏"‏ فلما وقعت شمس الشتاء في الطفل نشأ أطفال الزرع فارتبع الربيع أوسط بلاد الزمان فأعار الأرض أثواب الصبا فانتبهت عيون الأرض من سنة الكرى ونهضت عرائس النبات ترفل في أنواع الحلل فكأن النرجس عين وورقه ورق فالشقائق يحكي لون الخجل والبهار يصف حال الوجل والبنفسج كآثار العض في البدن والنيلوفر يغفو وينتبه والأغصان تعتنق وتفترق والأراييج قد ثبت أسرارها إلى النسيم فنم فاجتمعت في عرس التواصل فنون القيان فعلا كل ذي فن على فنن فتطارحت الأطيار مناظرات السجوع فأعرب كل بلغته عن شوقه فالحمام يهدر والبلبل يخطب والقمري يرجع والمكاء يغرد والهدهد يهدد والأغصان تتمايل كلها تشكر للذي بيده عقدة النكاح فحينئذ تج خياشيم المشوق ضالة وجده‏.‏

لي بِذاتِ البانِ أشجانُ ** حَبَّذا مِن أَجلِها البانُ

حَبَذا رَيَّاهُ يوقِظُهُ مِن ** نَسيمِ الفَجرِ رَيعانُ

حَبَذا وُرق الحَمامِ إِذا ** رَنَّحتها مِنهُ أَغصانُ

داعياتٌ بالهَديلِ لَها ** فيهِ أَسجاعٌ وأَلحانُ

أَعجمياتِ إِذا نَطَقتَ ** لَيس إِلا الشَوقُ تِبيانُ

كُلَما غَنَيتَني هَزَجاً ** هاجَني لِلذكرِ أَحزانُ

مالَ بي مَيلَ الغُصونِ ** بِها طَربي فالكُلُّ نَشوانُ

يا حَمامَ البانِ يَجمَعُنا ** وَجَدُنا إِذ نَحنُ جيرانُ

يَتَشاكى الواجِدونَ جَوىً ** واحِداً وَالوَجدُ ألوانُ

أَنا مَخلوسُ القَرينِ وَأَنـ ** تُنَّ أَزواجٌ وَأَرقرانُ

وَبَعيدُ الدارِ عَن وَطَني ** وَلَكُنَّ البانُ أَوطانُ

لا تَزدَني يا عُذولُ جوى ** أَنا بِالأشواقِ سَكرانُ

الفصل الخامس يذكر فيه إشارة من حال سلمان الفارسي

سابقة الأزل قضت لقوم بدليل ‏(سَبَقَت‏)‏ وعلى قوم بدليل ‏(غَلَبَت عَلَينا شِقوَتُنا‏)‏ فواأسفا أين المفر توفيق ‏(سَبَقَت‏)‏ نور قلوب الجن ‏(فَقالوا إِنّا سَمِعنا قُرآناً عَجَبا‏)‏ وخذلان ‏(غَلَبَت‏)‏ أعمى بصائر قريش فقالوا ‏(أَساطيرُ الأَولين‏)‏ أهل الشمال في جانب جنون البعد وأهل اليمين في مهب شمال القرب ما نفعت عبادة ‏"‏ إبليس ‏"‏ و ‏"‏ بلعام ‏"‏ ولا ضر عناد السحرة‏.‏

وحد ‏"‏ قس ‏"‏ وما رأى الرسول وكفر ‏"‏ ابن أبي ‏"‏ وقد صلى معه مع الضب ري يكفيه ولا ماء والسمكة غائصة في الماء ولا ري‏.‏

دخل الرسول عليه الصلاة إلى بيت يهودي يعوده فقال له‏:‏ أسلم تسلم فنظر المريض إلى ابيه فقال له‏:‏ أجب أبا القاسم فأسلم كان في ذلك البيت غريبا مثل ‏"‏ سلمان منا ‏"‏ فصاحت ألسنة المخالفين‏:‏ ما لمحمد ولنا ولسان الحال يقول‏:‏ مريضنا عندكم‏!‏ كيف انصرافي ولي في داركم شغل المناسبة تؤلف بين الأشخاص‏.‏

ما احتمل ‏"‏ موسى ‏"‏ مرارة الغربة في دار ‏"‏ فرعون ‏"‏ وإن كان في ‏"‏ آسية ‏"‏ ما يسلين غير أن حق الأم أحق فضرب على فيه فدام ‏(وَحَرَمنا‏)‏ إلى أنه أمته الأم فصوت عود العود عند اجتماع الشمل‏.‏

سَلامي عَليكُم كَيفَ حالُكُم وَهَل ** عِندَكُم مِن وَحشَةِ البَينِ ما عندي

سبق العلم بنبوة ‏"‏ موسى ‏"‏ و ‏"‏ إيمان ‏"‏ آسية ‏"‏ فسيق تابوته إلى بيتها فيه طفل منفرد عن أم إلى امرأة خالية عن زوج‏.‏

قرينان مرتعنا واحد لما قضيت في القدم سلامة ‏"‏ سلمان ‏"‏ حملته صبا الصبا نحو الدين كان أبوه على اعتقاد المجوس فعرج به دليل التوفيق إلى دير النصارى فأقبل يناظر أباه فلم يكن لأبيه جواب القيد وهذا الجواب المرذول قديم من يوم ‏(أَنا أُحيي وَأُميت‏) ‏(ثُمّ نُكِسوا‏)‏ ‏(قالوا حَرِقوهُ‏)‏ فنزل في البداية ضيف ‏(وَلَنَبلونَكُم‏)‏ ولولا مكابدة البلاء ما نيلت مرتبة ‏(رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره‏)‏ فسمع أن ركبا على نية السفر فسرق نفسه من حرز أبيه ولا قطع فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب الغنى وغاص في مقر بحر البعث ليقع على بدرة الوجود فصاح به الهوى‏:‏ إلى أين فقال ‏(إِنى ذاهِبٌ إِلى رَبي‏)‏ وقف نفسه على خدمة الأدلاء وقوف الأذلاء‏.‏

فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم زوده سفره إلى طلب علم الأعلام على علامات نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام وقالوا‏:‏ قد آن زمانه وأظل فاحذر أن تضل فإنه يخرج بأرض العرب ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين فلو رأيته قد فلى الفلاة والدليل شوقه والحنين يزعجه والتلهف يقلقه وَأَبغَضتُ فيكَ النَخلَ وَالنَخلُ يانعٌ وَأَعجَبَني مِن حُبِكَ الطَلحُ وَالضالُ وَأَهوى لِجَرّالُ السَّمَاوَةَ وَالفَضى وَلو أَنّ صَنفِيَةَ وَشاةٍ وعُذالُ رحل مع رفقة لم يرفقوا به ‏(وَشَروهُ بِثَمَنٍ بَخس‏)‏ فاشتراه يهودي بالمدينة فانجبر انكسار رقه بإنعام ‏"‏ سلمان منا ‏"‏ وتوقد شوقه برؤية الحرتين وما علم المنزل بوجد النازل‏.‏

أَيَدري الرَبعُ أَيَ دَمٍ أَراقا وَأَيَّ قُلوبٍ هَذا الرَكبُ ساقا لَنا وَلأَهلِهِ أَبداً قُلوبُ تَلاقى في جُسومِ ما تَلاقى‏!‏‏!‏ فبينما هو يكابد ساعات الانتظار جاء البشير بقدوم الرسول و ‏"‏ سلمان ‏"‏ في رأس نخلة فكاد القلق يلقيه لولا أن الحزم أمسكه كما جرى يوم ‏(إِن كادَت لَتُبدي بِهِ‏)‏ ثم عجل النزول ليلقي ركب البشارة وأي ثبات بقي ليعقوب في حال ‏(إِني لأجد‏)‏‏.‏

خَليليَّ مِ نَجدٍ قَفاني عَلى الرُّبا فَقَد هَبَ مِ تِلكَ الرُسومِ نَسيمُ طف صالح به المالك‏:‏ مالك وهذا انصرف إلى شغلك‏.‏

كيف انصرافي ولي في داركم شغل ثم أخذ يضربه فأخذ لسان حال المشوق يترنم لو سمع الأطروش خَليليَّ لا وَاللَهِ ما أَنا ** مِنكُما إذا عَلَمٌ مِن آَلِ لَيلى بَدا لِيا

الفصل السادس ‏{‏تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏}

سفر الليل لا يطيقه إلى مضمر المجاعة تجتمع جنود الكسل فتتشبث بذيل التواني فتزين حب النوم وتزخرف طيب الفراش وتخوف برد الماء فإذا ثارت شعلة من نار الحزم أضاءت بها طريق القصد فسمعت أذن اليقين هاتف‏:‏ هل من سائل نفس المحب في الليل على آخر نفس وفي ‏"‏ المتعبدين قوة ‏"‏ وهم يستغفرونن صراخ الأطفال غير بكاء الرجال سهر الليل هودج الأحباب يوقظ نسيم الأسحار أعين ذوق الأخطار فلو رأيتهم وَقَد لاحَت الجوزاءُ وَأنحَدَرَ النَّسرُ قد افترشوا بساط ‏"‏ قيس ‏"‏ وباتوا بليل ‏"‏ النابغة ‏"‏ إن ناموا توسدوا أذرع الهمم وإن قاموا فعلى أقدام القلق كأن النوم حلف على جفاء أجفانهم هَذا رِضاكَ نَفى نَومي فأَرَقَني فَكَيفَ يا أَمَلي إِن كُنتَ غَضبانا مازالوا على مطايا الأقدام إلى أن نم النسيم بالسحر وقام الصارخ ينعي الظلام فلما تمخض الدجى بحمل السحر تساندوا إلى رواحل الإستغفار‏.‏

شَكونا إِلى أَحبابِنا طَولَ لَيلَنا فَقالوا لَنا ما أَقصَرَ اللَيلَ عِندَنا رياح الأسحار أقوات الأرواح رقت فراقت فبردت حر الوجد وبلغت رسائل الحب‏.‏

أَلا يا صِبا نَجِدُ مَتى هُجتَ مِن نَجدٍ لَقَد زادَني مَسراكَ وَجداً عَلى وَجدِ مكروب الوجدن يرتاح إلى النسيم وإن قلقل الواجد‏.‏

بَينَ شَمالَ وَصِبا حَنَّ مَشوقٌ وَصَبا وَمُرنَّحِ فِطَنَ النَسيمُ بِوَجدِهِ فَروى لَهُ خَبَر العُذَييبِ مَعرِّضا خلوا بالحبيب في دار المناجاة فكساهم ثياب الموصلة وضمخهم بطيب المعاملة وغالية السحر غالية يصبحون وعليهم سيما القرب‏.‏

تفوح أرواح نجد من ثيابهم فتأسف يا جيفة النوم وابك يا عريان الغفلة أتدري كيف مر عليهم الليل ألك علم بما جرى للقوم‏.‏

أيعلم خال ما جرى للمتيم رحلت رفقة ‏(تَتَجافى‏)‏ قبل السحر ومطرود النوم في حبس الرقاد فما فك عنه السجان القيد حتى استقر بالقوم المنزل فقام يتلمح الآثار على باب الكوفة والقوم قد شرعوا في الإحرام‏.‏

مَن يَطَّلَع شَرَفاً فَيُعَلِمُني هَل رَوَّضَ الرَعيانُ بالإِبِلِ أَم قَعقَعت عُمُدُ الخِيامِ أَم اِرتَفَعَت قِبابُهُم عَلى النُزل أَم غَرَّدَ الحادي بِقافِيةٍ مِنها غُرابُ البَين ‏"‏ يَستَملي ‏"‏ كان ‏"‏ حسان بن أبي سنان ‏"‏ يخادع امرأته حتى تنام ثم يخرج من الفراش إلى الصلاة‏.‏

كَأَنّ سَوادِ اللَيلِ يَعشَقُ مُقلَتي ** فَبَينَهُما في كُلِ هَجرٍ لَنا وَصلُ

كانت ‏"‏ أم الربيع بن خيثم ‏"‏ إذا رأت تقلقله بالليل تقول‏:‏ يا بني لعلك قتلت قتيلا فيقول‏:‏ نعم قتلت نفسي‏.‏

وقالت ‏"‏ أم عمر بن المنكدر ‏"‏‏:‏ أشتهي أن أراك نائما فقال‏:‏ يا أماه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له أن لا ينام يا أماه إن الليل ليرد عليَّ فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه أربي‏.‏

ذق الهوى وإن استطعت الملام لما قيل لبعض الزهاد‏:‏ إرفق بنفسك فقال‏:‏ الرفق أطلب‏.‏

كان ‏"‏ أمية الشامي ‏"‏ يبكي في المسجد وينتحب حتى يعلو صوته فأرسل إليه الأمير‏:‏ إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك فلو أمسكت قليلا فبكى وقال‏:‏ إن حزن القيامة أورثني دموعا غزارا فأنا أستريح إلى ذريها أحياناً‏.‏

اللَوَّمُ فيكَ يَنصَحوني وَالنُصحُ خِيانَةَ اللَوائِم المُقعِد ُ وَالمُقيمُ عِندي ما دُمتَ عَلى الصُدودِ دائِم مالي أَجِدُ الحَمامَ أَنَّى ناحَت بِآراكِها الحَمائم وَكَم مِن حَديثٍ قَد خَبأناهُ لِلقَسا فَلَما اِلتَقينا صِرتُ أَخرسَ أَلكنا

الفصل السابع التوبة

يا مؤخر توبته بمطل التسويف ‏(لأَي يَومٍ اُجِلَت‏)‏ كنت تقول‏:‏ إذا شبت تبت‏.‏

فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت لو كان لسيف عن عزيمتك جوهرية لقيك موت الهوى تحت ظبته‏.‏

كل يوم تضع قاعدة الإنابة ولكن على شفا جرف كلما صدقت لك في التوبة رغبة حملت عليها جنود الهوى حملة فانهزمت إذبح حنجرة بالهوى بسكين العزيمة فما دام الهوى حيا فلا تأمن من قلب قلبك‏.‏

اجعل بكاءك في الدجى شفيعا في الزلل فزند الشفيع توري نار النجاح‏.‏

اكتب بمداد الدمع حسن الظن إلى من يحققه ولا تقنع في توبتك إلا بمكابدة حزن ‏"‏ يعقوب ‏"‏ أو بصبر ‏"‏ يوسف ‏"‏ عن الهوى فإن لم تطق فبذل إخوته يوم ‏(وَتَصَدق عَلَينا‏)‏‏.

يا معشر الأقوام هذه مشاعل القبول‏.‏

يا فارغ البيت من القوت هذه أيام اللقاط‏.‏

يا مهجور ‏"‏ كنعان ‏"‏ متى تجد ريح ‏"‏ يوسف ‏"‏ يا سجن ‏"‏ مصر ‏"‏ متى يرى الملك سبع بقرات يا ‏"‏ ابن يا مين ‏"‏ اليَومَ عَهدُكُمُ فَأَينَ المَوعِدُ هَيهاتَ لَيسَ لِيومِ عَهدِكُمُ غَدُ إذا وقعت عزيمة الصدق في قلب العبد التائب رضي الملك فأنسى الملك ما كتب وأوحى إلى الأرض‏:‏ اكتمي على عبدي‏.‏

قتل رجل قبلكم مائة نفس ثم خرج تائبا فأدركه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله ملكا يحكم بينهم فقال‏:‏ قيسوا ما بين القريتين وأوحى إلى هذه أن تباعدي وغلى هذه أن تقربي فوجد أقرب إلى قرية الخير بشبر فغفر له‏.‏

والحاكم والخصوم لا يعرفون سر ‏(كَذِلِكَ كِدنا لِيوسُفَ‏)‏‏.‏

إذ صدق التائب أجبناه وأحييناه ‏(وَجَعَلنا لَهُ نوراً يَمشي بِهِ في الناس‏)‏ يا معاشر التائبين ‏(أَوفوا بِالعُقُود‏)‏ انظروا لمن عاهدتم ‏(ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها‏)‏ فإن زللتم من بعد التقويم فارجعوا إلى دار المداراة ‏(فإنّ الله لا يمل حتى تملوا‏)‏‏.‏

عودوا إلى الوَصلِ عودوا فالهَجرُ صَعبٌ شَديدُ تَذكّرونا فَما عَهدي لَديكُم بَعيدُ كُنا وَكُنتُم قَريباً فَأَينَ تِلكَ العُهودُ هَل يَرجَعُ البانُ يَوماً أَم هَل تَعودُ زَرودُ مجاهدة النفس يا مقهورا بغلبة النفس صل عليها بسوط العزيمة فإنها إن عرفت جدك اِستأسرت لك وامنعها ملذوذ مباحها ليقع الإصطلاح على ترك الحرام فإذا صبرت على ترك المباح ‏(فَإِما مناً بَعدُ وَإِما فِداء‏)‏ الدنيا والشيطان خارجان عنك والنفس عدو مباطن ومن أدب الجهاد (قاتِلوا الَّذَينَ يَلونَكُم‏)‏ إِن مالَت إٍلى الشَهوات فاكبِحها بِلِجامِ التَقوى وإِن أعرضت عن الطاعات فسقها بسوط المجاهدة وإن استحلت شراب التواني واستحسنت ثوب البطالة فصح عليها بصوت العزم‏.‏

فإن رمقت نفسها بعين العجب فذكرها خساسة الأصل فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك وقد إجتمعت عندك جنود الهوى في بيت النفس فأحكمت حصن البطالة‏.‏

فيا حزب التقى جردوا سيوف العزائم وادخلوا عليهم الباب‏.‏

النفس مثل كلب السوء متى شبع نام وإن جاع بصبص‏.‏

الحر يلحى والعصا للعبد‏.‏

كان أحد السلف إذا قهر بترك شهوته أقبل يهتز الرامي إذا قرطس‏.‏

إذا قوي عزم المجاهدة لأن له الأعداء بلا حرب‏.‏

لما قويت مجاهدة نبينا صلى الله عليه وسلم تعدت إلى كل من تعدى فأسلم شيطانه اللهم دلنا على قهر نفوسها التي هي أقرب أعدائنا إلينا وأكثرهم نكاية فينا يا هذا‏:‏ بدل اهتمامك بك واسرق منك لك فالعمر قليل تظلم إلى ربك منك واستنصر خالقك عليك يأمرك بالجد وأنت على الضدّ‏.‏

تفر إلى الزحف ولكن لا إلى فئة‏.‏

تطلب نيل العلى وما ارتقيت درج المجاهدة أتروم الحصاد ولم تبذر لولا إيثار ‏"‏ يوسف ‏"‏ ‏(السِجنُ أَحبُ إِليّ‏)‏ ماخرج إلى راحة ‏(وَكَذلِكَ مَكَنَّا‏)‏ رب خفض تحت السرى وغنى من عنا ونضرة من شحوب‏.‏

لما قوم المؤمنون أنفسهم بالرياضة وقع عقد ‏(إِنّ اللَهَ اِشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنّ لَهُم الجَنَة‏) النفس لم ترض إذا لم ترض لأنها كلب عقور وإنما يراد الصيود لا العضوض‏.‏

ويحك الأعضاء كالسواقي والمياه النجسة في الثمرة أنت تستفتح النهار بإطلاق الجوارح في صيد اللهو فإذا حان حين الصلاة نعقت بها وليست معلمة فلا تجيب‏.‏

هيهات ان يخشع طرف ما قومه محتسب ‏(يَغُضوا‏)‏ وأن يحضر قلب ما أزعجه تخويف ‏(يَعلَمُ السِرَ وَأَخفى‏)‏‏.‏

الناسُ مِنَ الهَوى عَلى أَصنافِ هَذا ناقِضُ العَهدِ وَهَذا وافي هَيهَات مِنً الكُدورِ تَبغي الصافي ما يَصلُحُ لِلحَضرَةِ قَلبٌ جافي ذم الدنيا أَنت في حديث الدنيا أفصح من ‏"‏ سحبان ‏"‏ وفي ذكر الآخرة أعيى من ‏"‏ باقل ‏"‏ تقدم على الفاني ولا إقدام ‏"‏ بن معد يكرب ‏"‏ وتجبن عن الباقي ولا جبن ‏"‏ حسان ‏"‏ ويحك إنما تعجب الدنيا من لا فهم له كما أن أضغاث الأحلام تسر النائم لعب الخيال يحسبها الطفل حقيقة فأما العاقل فلا يغتر‏.‏

كم أتلفت الدنيا بيد حبها في بيداء طلبها وكم عاقبت عن وصول بلد الوصل كم ساع سعى إليها سعي الرخ ردته معكوسا رد الفرازين يا أرباب الدنيا‏:‏ إنها مذمومة في كل شريعة والولد عند الفقهاء يتبع الأم متى نبت جسمك عن الحرام فمكاسبه كزيت بها يوقد‏.‏

هذا ‏"‏ عمر ‏"‏ مع كماله يقول‏:‏ يا ‏"‏ حذيفة ‏"‏ هل أنا منهم وأنت تأمن مع ذنوبك‏.‏

إذا كان ‏"‏ بنيامين ‏"‏ نسب إلى السرقة فأي وجه لخلاص يرجى‏.‏

رؤي ‏"‏ عمر ‏"‏ بعد موته باثنتي عشرة سنة فقال‏:‏ الآن تخلصت من حسابي واعجبا أقيم للحساب أكثر من سني الولاية أفينتبه بهذا راقد الهوى‏.‏

يا متلطخا بأقذار الظلم بادر الغسل من مد العوافي قبل أن يجزرك لا يغرنك عيش أحلى من إذ يلتقي كل ذي دين وماطله الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب ليت الحلال سلم فكيف الحرام كان لبان يخلط اللبن بالماء فجاء سيل فأهلك الغنم فجعل يبكي ويقول‏:‏ اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا‏.‏

ولسان الجزاء يناديه ‏"‏ يداك أوكتا وفوك نفخ ‏"‏‏.‏

كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم ‏(وَلَتَعلُمَنّ نَبَأَهُ بَعدَ حين‏)‏ واعجبا من الظلمة كيف ينسون طي الأيام سالف الجبابرة وما بلغوا معشار ما آتيناهم أما شاهدوا مآلهم ‏(فَكُلاً أَخَذنا بِذَنبِهِ‏)‏ أما رحلوا عن أكوار الندم ‏(فَما بَكَت عَلَيهِم السَماءُ والأرض‏)‏ أما صاح هاتف الإنذار ‏(كَم تَرَكوا مِن جَناتٍ وَعُيون‏)‏ واعجبا للمغترين ‏(وَقَد خَلَت مِن قَبلِهِم المَثُلات‏)‏ أما يكفيهم من الزواجر ‏(وَتَبَينَ لَكُم كَيف فَعَلنا بِهِم‏)‏ من لهم إذا طلبوا وقت العود ‏(وَحِيلَ بَينَهُم وَبَينَ ما يَشتَهون‏)‏ كم دار بنعم النعم دارت عليها دوائر النقم ‏(فَجَعلناها حَصيدا‏)‏ يا معاشر الظلمة‏:‏ ‏"‏ سليمان ‏"‏ الحكم قد حبس ‏"‏ آصف ‏"‏ العقوبة في سجن ‏(فَلا تَعجَل عَلَيهِم‏)‏ وأجرى الرجاء ‏(لِئَلا يَكونَ لِلناسِ عَلى اللَهِ حُجة‏)‏ فلو ذهبت سموم الجزاء من مهب ‏(وَلَئِن مَسَتهُم نَفحَةٌ‏)‏ لقلعت سكر ‏(إِنّما نُملي لَهُم‏)‏ ‏(فَلا يَستَطيعونَ تَوصية‏)‏‏.‏

فالحذر الحذر ‏(أَن تَقولَ نَفسٌ يا حَسرَتى‏)‏ ‏(وَلاتَ حينَ مَناص‏)‏ أبقي في قوس الزجر منزع سفينة التقى تحتاج إلى إحكام تام ولليم منافذ صغار في الدسر فاحكم تلك البقاع بقار الورع هيهات قد خرقتها بالكبائر وما تتنبه لما صنعت حتى يصيح ‏"‏ نوح ‏"‏ الأسى ‏(لا عاصِمَ‏)‏ يا هؤلاء‏:‏ فتعاش العدل إذا لم ينتزع شوك الظلم أثر ما لم يؤمن تعديه إلى القلب لا تعربوا في سكر القدرة فصاحب الشرطة بالمرصا‏.‏

ويحكم لا تحتقروا دعاء المظلوم فشرار نار قلبه محمول بريح دعائه إلى سقف بيت الظالم نباله تصيب نبله غريب قوسه حرقه وتره قلهه مرماته هدف ‏(لأَنصُرَنّكَ وَلَو بَعدَ حين‏)‏ سهم سهمه الإصابة‏.‏

وقد رأيت وفي الأيام تجريب

الفصل العاشر العمل للآخرة

إخواني ارفضوا الدنيا فقد رفضت من كان أشغف بها منكم اتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم الدنيا خمر ساعدها تغريد طائر الطبع فاشتد سكر الشاربن ففات موسم الريح ثم بعد الإفاقة يقام الحد فيقيم قائم الحزن ويكفي في الضرب فوت الخير فإذا ماتوا ويحك إن الموت سحاب والشيب وبله ومن بلغ السبعين اشتكى من غير علة والعاقل من أصبح على وجل من قرب الأجل يا هذا‏:‏ الدنيا وراءك والأخرى أمامك والطلب لما وراء هزيمة وإنما العزيمة في الإقدام جاء طوفان الموت فاركب سفن التقى ولا ترافق ‏"‏ كنعان ‏"‏ الأمل ويحك انتبه لإغتنام عمرك فكم يعيش الحيوان حيران‏.‏

الأسقام تزعج الأبدان فلا بد من النحول ضرورة كأنك بك في لحدك على فراش الندم وإنه والله لأخشن من الجندل فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك وادخر من وقت قدرتك قبل زمان عجزك وأعتد رحلك قبل رحيلك مخافة الفقر في القفر إلى الأزم الحذار الحذار ‏(أَن تَقولَ نَفسٌ يا حَسرَتى‏)‏‏.‏

الحازم يتزود لما به قبل أن يصير لمآبه شجرة الحزم أصلها إحكام النظر وفروعها المشاورة في المشكل وثمرتها انتهاز الفرص وكفى بذهاب الفرصة ندما‏.‏

وَكَم فُرصَةٍ فاتَت فَأَصبَحَ رَبُّها يَعُضُ عَلَيها الكَفَّ أَو يَقرَع السَّنا واعجبا لمضيع العمر في التواني فإذا جاء متقاضي الروح قال ‏(إِنّي تُبتُ الآن‏)‏ ‏(وَأَنَى لَهُم التَناوُش مِن مَكانٍ بَعيد‏)‏‏.‏

يا رابطا مناه بخيط الأمل إنه ضعيف الفتل لو فتحت عين التيقظ لرأيت حيطان العمر قد تهدمت فبكيت على خراب دار الأمل جسمك عندنا وقلبك على فراسخ لا بالتسويف ترعوي ولا بالتخويف تستوي ضاعت مفاتيحي معك‏.‏

الفصل الحادي عشر الخوف من الله تعالى

خوف السابقة وحذر الخاتمة قلقل قلوب العارفين وزادهم إزعاجا ‏(يَحولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ‏)‏ ليس لهم في الدنيا راحة كلما دخلوا سكة من سك السكون أخرجهم الجزع إلى شارع من شوارع الخوف‏.‏

أَروحُ بِشجوٍ ثُمّ أَغدو بِمِثلِهِ وَتحسَبُ أَني في الثيابِ صَحيحُ أعمار الأغمار وانتبهوا فانتبهبوا الليل والنهار وأخرجوا أقوى العزائم إلى الأفعال فلما قضوا ديون الجد قضت علومهم بالحذر من الرد حنوا فأنوا وانزعجوا فما اطمأنوا أنفاسهم لا تخفى نفوسهم تكاد تطفأ لون المحب غمار دمع الشمون نمّام من ضرورة دوران الدولاب أنينه‏.‏

أُخفي كَمَدَ الهَوى وَدَمعي في الخَدِ عَلى هواكَ شاهِدُ تصادما في قلب العارف جبل الرجاء وجبل الخوف فلما وصل ‏"‏ اسكندر ‏"‏ الفكر ألقى زبر الهموم حتى ‏(ساوى بَينَ الصَدَفين‏)‏ ثم صاح بجند الفهوم‏:‏ ‏(اِنفُخوا‏)‏ فاستغاث الواجد لتراكم الكرب‏.‏

أَيا جَبَلَي نُعمانَ بِالله خَلِيا نَسيمَ الصِبا يُخلِص إِلى ‏"‏ نَسيمُها ‏"‏ لا راحة للمحب في الدنيا إن أحس بالحجاب بكى على البعد وإن فتح له باب الوصل خاف الطر‏.‏

فَيَبكي إِن نَأَوا شَوقاً إِليهِمُ وَيَبكي إِن دَنَوا خَوفَ الفِراقِ من لم يذق لم يعرف‏:‏ مَن لَم يَبُت وَالحُبُّ حَشوُ فُؤَادِهِ لِم يَدرِ كَيفَ تَفَتُّتُ الأَكبادِ الفراق أظلم من الليل الوجد احر من الجمر‏.‏

فَفي فُؤادِ المُحِبِ نارُ جَوىً أَحرُّ نارِ الجَحيمِ أَبرَدُها فقد اشتد قلق الخوف ‏"‏ بابراهيم بن أدهم ‏"‏ فصاح‏:‏ إلهي إن كنت أعطيت أحدا من المحبين ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني فقد أضر بي القلق‏.‏

لَو شِئتَ داويتَ قَلباً أَنتَ مُسقِمُهُ وَفي يَديكِ مِنَ البَلوى سَلامَتُهُ فرأى الحق جل جلاله في منامه وهو يقول‏:‏ يا إبراهيم‏:‏ ما استحييت مني تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك وهل يسكن قلب المشوق إلى غير حبيبه‏.‏

يا سائِقَ العَيسِ قَد بَراها حَملُ هُمُومٍ بِها عِظامُ أشواقُها خَلفَها وَشَوقي خِلافَ أَشواقِها أَمامي

الفصل الثاني عشر ذو البجادين

اللهم نور ظلمة دنيانا بضوء من توفيقك واقطع أيامنا في طلب الإتصال بك فإنك إذا أقبلت سلّمت وإذا أعرضت أسلمت‏.‏

إخواني‏:‏ إذا سبقت سابقة السعادة لشخص دلته على الدليل قبل الطلب (وَلَقَد اِختَرناهُم عَلى عِلمٍ عَلى العالمين‏)‏‏.‏

إِنّ المَقاديرَ إِذا ساعَدَت أَلحَقَت العاجِزَ بالحازِم كان ‏"‏ ذو البجادين ‏"‏ يتيما في الصغر فلما عمه الفقر كفله عمه فنازعته نفسه في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهمب النهوض فإذا بقية المرض مانعة فقال لسان التسويف للنفس‏:‏ قفي حتى يتقدم العم فلما تكملت الصحة نفد حبر المشتاق فقال‏:‏ يا عم كنت أنتظر سلامتك بإسلامك وما أرى زمن زمنك ينشط فقال‏:‏ والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك‏!‏‏!‏ فصاح لسان عزمته‏:‏ نظرة من محمد عليه الصلاة والسلام أحب إلي من الدنيا وما فيها‏.‏

هذا مذهب المحبين إجماعا من غير خلاف‏.‏

وَلَو قيلَ لِلمجَنونِ لَيلى وَوَصلِها تُريدُ أَم الدُنيا وَما في طواياها لَقالَ غُبارٌ مِن تُرابِ دِيارِها أَحبُّ إِلى نَفسي وَأَشفى لِرؤياها فعاد العم في هبته حتى جرده من الثياب فناولته الأم بجادا لها فقطعه نصفين فاتزر بواحدة وارتدى بآخر وخرج في حلة ‏"‏ دب أشعث أغبر ‏"‏‏.‏

سُنَنَّة الأَحبابِ واحِدَةٌ فَإِذا أَحبَبتَ فاستَنِنِ فنادى صائح الجهاد في جيش العسرة فتتبع ساقة الأحباب راكبا عجز العزم مع الضجر والمحب لا يرى طول الطريق إنما يتلمح المقصد‏.‏

ألا بَلَّغَ اللَهُ الحِمى مِن يُريدُهُ وَبلّغ أَكنافَ الحِمى مِن يُريدُها خَلَيلي لَيسَ الشَيبُ عَيباً لَو أَنَنا وَجَدنا لأَيامِ الصِبا مَن يُعيدُها فنزل إليه ملك الموت بتوقيع‏:‏ ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي فنزل ارسول يمهد له اللحد لمأمور‏:‏ إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما‏.‏

وصاح بأبي بكر وعمر‏:‏ أدنيا إلي أَخاكما وأنتدب لمرتبة لفظها‏:‏ اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه فقال ابن مسعود‏:‏ ليتني كنت صاحب هذا اللحد‏.‏

الفصل الثالث عشر الغفلة عن الآخرة

يا هذا حب الدنيا أقتل من السم وشرورها أكثر من النمل وعين حرصك عليها أبصر من الهدهد وبطن أملك أعطش من الرمل وفم شرهك أشرب من الهيم وإن خضت في حديثها فأنطق من ‏"‏ سحبان ‏"‏ وإن انتقدت دنانيرها فأنسب من ‏"‏ دغفل ‏"‏ حليتك في تحصيلها أدق من الشعر وأنت في تدبيرها أصنع من النحل تجمع فيها الدر جمع الذر‏.‏

يا رفيقا في البله لدود القز واعجبا‏!‏ ما انتفعت بموهبة العقل‏!‏‏.‏

فَأَنتَ كَدَودِ القَزّ يَنسِجُ دائِماً وَيَهلِكُ غَماً وَسطَ ما هوَ ناسِجُهُ حرصك بعد الشيب أحر من الجمر أبقي عمر يا أبرد من الثلج والدنيا في قلبك أعز من الروح وستصير عند الموت أهون من الأرض‏.‏

أنت في الشر أجرى من جواد وفي الخير أبطأ من أعرج معاصيك أشهر من الشمس وتوبتك أخفى من السها الزكاة عندك أثقل من ‏"‏ أحد ‏"‏ والصلاة عليك كثقل صخر على صدر طريق المسجد في حسبان كسلك كفرسخي ‏"‏ دير كعب ‏"‏ صدرك عند حديث الدنيا أوسع من البحر ووقت العبادة أضيق من عقد التسعين‏.‏

يا من هو عن نجاته أنوم من فهد ضيعت وقتا أنفس من الدر وإن عرضت خطيئة وثبت وثوب النمر فإذا لاحت طاعة رغت روغان الثعلب فإذا عاملت الناس استعملت غدر الذئب تقدم على الظلم إقدام الأسد وتختطف الأمانة اختطاف الحدأة‏.‏

يا أظلم من ‏"‏ الجلندي ‏"‏‏:‏ ما تأتمنك غزلان الحرم يا عذري الهوى في حب الدنيا يا كوفي الفقه في تحصيلها يا بصري الزهد في طلب الآخرة واعجبا لقلب أضعف من البعوضة كيف صار أقوى من الجندل ما يعجبه سجع ‏"‏ فس ‏"‏ ولا يؤثر فيه وعظ ‏"‏ الحسن ‏"‏ ولا يرق لغزل ‏"‏ جرير ‏"‏ فليته فسر منام الأمل على ‏"‏ ابن سيرين ‏"‏ اليقظة قفل قلبك رومي ما يقع عليه فش‏.‏

الفصل الرابع عشر مداواة النفس

العقل رفيق القلب والطبع قرين النفس فلا تقارب بين النفس والقلب فرب جار جار سرادق القلب على أطناب العقل وخيمة النفس على أوتار الهوى اكسر حدة خمر الطبع بمزاج ماء الرياضة اشددن أزر العقل بجبال التقى ماء طبعك أجاج وماء شرعك عذب وقد مزج الإبتلاء بينهما نور العقل يضيء في ليل الطبع فتتبين جادة الصواب للسالك وزناد الفكر حين يوري يرى عواقب الأهوال‏.‏

‏"‏ يوسف ‏"‏ العقل ينظر إلى العواقب و ‏"‏ زليخا ‏"‏ الهوى تتلمح العاجيل والعزائم منازل الأبطال والصبر دأب الرجال وإنما رد ‏"‏ يوسف عقله وحمل ‏"‏ زليخا ‏"‏ طبعها ولا أقول لك‏:‏ اقلع شجر الطبع من أرض الوضع كيف يمكن وقد قال ‏(زُينَ لِلِناسِ حُبُّ الشَهوات‏)‏ وإنما أقول لك‏:‏ دم على المجاهدة في الجسم وكلما نبعت عروق الهوى فاقطع وكلما كل ما به تقطع فاشحذ واقنع بساحة الذل فعند المسجون شغل من ‏"‏ الرياض ‏"‏ ويحك اترك وأنت تهوى‏.‏

وَفي القَلبِ ما في القَلبِ مِن لَوعَةِ الهَوى وَلَكِنَني أُبدي الصُدودَ مُبَهرَجاً إخواني‏:‏ من أفسد حسابه بالخيانة استحيا من عرض الدستور من توسخت ثياب معاملته بالمعاصي لم يقرب من المقربين من سودت الذنوب وجه جاهه ذل بين الأكرمين من ركب ظهر أما سمعتم أن ‏"‏ داود ‏"‏ أعطي نعمة نغمة كان يقف لها الماء فلا يسير والطير مع ذلك وقوف الأسير فعمل مرض ‏(لا تَقفُ‏)‏ في حجاب ‏(يَغضوا‏)‏ فامتدت به يد البصر فقدمت قميص ‏"‏ يوسف ‏"‏ العصمة فآثر زلله حتى في تلاوته وقد كان معمار الوصال يتفقد قديما آلات صوته فلما أقبل على الذنب أعرض المعمار عن المراعاة فتشعث منزل الصفاء وانقطعت جامكية العسكر فتفرقت جنود أوبي‏.‏

فيالك من جرح تعز مراهمه‏.‏

كان عيش عشبة خضرا فأحالت الحال سنة فكأن أيام الوصال كانت سنة فكاد يقطع باليأس حتى التقى الخضر بإلياس‏.‏

أَرقى قَد رَقّ لي مِن أَرقى وَرثي لي قَلقَي من قَلَقي وَبُكائي مِن بُكائي قَد بَكى وَتَشَكَّت حُرقي مِن حِرقي كان إذا أراد النياحة نادى مناديه‏:‏ ألا من أراد أن يسمع نوح داود فليخرج فتجتمع عليه أهل الأحزان في مأتم الندب فتزداد الحرق بالتعاون‏.‏

يا بَعيدَ الدارِ عَن وَطَنِهِ مُغَرداً يَبكي عَلى شَجنِهِ كُلُما جَد النَحيبُ بِهِ زادَت الأَسقامَ في بَدَنِهِ شاقَهُ ما شاقَنَي فَبَكى كُلَّنا يَبكي عَلى سَكَنِهِ

الفصل الخامس عشر الإخلاص

الإخلاص مسك مصون في مسك القلب ينبه ريحه على حامله العمل صورة والإخلاص روح إذا لم تخلص فلا تتعب لو قطعت سائر المنازل لم تكن حاجا إلا بشهود الموقف ولا تغتر بصورة الطاعات فإن خصم الإخلاص إذا جاء عند حاكم الجزاء ألزم الحبس عن القبول‏.‏

سوق الإخلاص رائجة رابحة ليس فيها كساد المخلص يعد طاعاته لاحتقارها عرضا وقلم القبول قد أثبتها في حيز الجوهر المخلص مبهرج على الحق بستر الحال وببهرجته يصح النقد‏.‏

لما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة جمال الخمول من حلة حلية ‏"‏ أويس ‏"‏ عمل معول الشوق في قلب ‏"‏ عمر ‏"‏ فكان في كل عام ينشد بلفظ الطالب ويسأل عن أهل اليمن‏.‏

ألا أيها الرَكبُ اليَمانونَ عَرَجوا عَلَينا فَقَد أَمسى هوانا يَمانيا نِسائِلُكُم هَل سالَ نِعمانُ بَعدَنا وَحُبَّ إلينا بَطنُ نِعمانَ وادِيا فلما لقيه ‏"‏ عمر ‏"‏ قال‏:‏ من أنت قال‏:‏ راعي غنم وأجير قوم وستر ذكر ‏"‏ أويس ‏"‏‏.‏

الأولياء تحت ستر الخمول ما يعلمهم إلا قليل فإن عرفتهم بسيماهم فتلمح نقاء الأسرار لا دنس الثياب ‏(وَلا تَعدُ عَيناكَ عَنهُم‏)‏‏.‏

كان في ‏"‏ أيوب السختياني ‏"‏ بعض الطول لستر الحال وكان إذا تحث فرق قلبه وجاء الدمع قال‏:‏ ما أشد الزكام‏!‏‏.‏

أَفدي ظِباءَ فُلاةٍ ما عَرَفنَ بِها مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغ الحواجِبِ كان ‏"‏ إبراهيم بن أدهم ‏"‏ إذا مرض يجعل عند رأسه ما يأكله الأصحاء كيلا يتشبه بالشاكين‏.‏

هذه والله بهرجة أصح من نقدك‏.‏

قَد سَحَبَ الناسُ أّذيالَ الظُنونِ بِنا وَفَرَّقَ الناسُ فينا قَولَهُم فِرقا فَكاذِبٌ قَد رَمى بِالظَنِ غَيرَكُمُ وَصادِقٌ لَيس يَدري أَنّهُ صَدَقا للمؤمن في إخلاصه أحوال يتصدق بيمنيه فيخفيها عن شماله‏.‏

كان ‏"‏ النخعي ‏"‏ إذا قرأ في المصحف فدخل عليه داخل غطاه‏.‏

وكان ‏"‏ ابن أبي ليلى ‏"‏ يصلي فإذا دخل عليه أحد نام على فراشه‏.‏

قال ‏"‏ الحسن ‏"‏ كان الرجل تأتيه عبرته فيسترها فإذا خشي أن تسبقه قام من المجلس‏.‏

باحَ مَجنونُ عامِرٍ بِهواهُ وَكَتَمتُ الهَوى فَمَتَّ بِوجدي سحقت نافجة مسك المحبة فبثت في محاريب المتعبدين وليس كل ثوب يعلق به الطيب ‏"‏ رب قائم حظه السهر ‏"‏‏.‏

كما من مراء يتعب في تهجده فتفض ريجح الرياء أوراق تعبده فتبقى أغصان العمل كالسلا وليس للشوك نسيم ‏(فَلَو صَدَقوا اللَهَ لَكانَ خَيرا لَهُم‏)‏‏.‏

إذا بهرج المنافق على عمل المخلص فماجت أراييج النفاق القلوب لجيفته فذهب عمله جفاء‏.‏

واعجبا من أهل الرياء‏!‏ على من يبهرجون ‏(وَرَبُكَ يَعلَمُ ما تَكِنُ صُدورُهُم‏)‏ غلب على المخلصين الخشوع فجاء المرائي يبهرج فقيل‏:‏ مهلا فالناقد بصير لما أخذ دود القز ينسج جاء العنكبوت يتشبه فنادى لسان الحال الفاروق‏:‏ إِذا اِشتَبهت دُموعُ في خُدودٍ تَبينَّ مَن بَكى مِمَّن تَباكى‏)‏‏.‏

الفصل السادس عشر الإقبال على الله تعالى

يا مختار القدر اعرف قدر قدرك خلقت الأكوان لأجلك أقبل علي فإني مقبل متى رمت ساكِنٌ في القَلبِ يَعمُرُهُ لَستُ أَنساهُ فأَذكُرُهُ غابَ عَن سَمعي وَعَن بَصَري وَسُويدَ القَلبِ يُبصِرُهُ بيننا عهد ‏(أَلستَ‏)‏ شجراته تسقى بمياه ‏"‏ هل من سائل ‏"‏‏.‏

إِذا مَرِضنا أَتيناكُم نَعُودُكُمُ وَتُذنِبونَ فَنَأتيكُم فَنَعتَذِرُ أودعت إقرارك الحجر الأسود وأمرتك بالحج لتستحي بالتذكر من نقض العهد‏.‏

تَشاغَلتُم عَنا بِصُحبَةِ غَيرِنا وَأَظهَرتُم الهِجرانَ ما هَكَذا كُنا وَأَقسَمتُم أَن لا تُحَوِلوا عِنِ الهَوى فَقَد وَحَياةِ الحُبِ حُلتُم وَما حُلُنا الحجر الأسود صندوق أسرار المواثيق مستمل لما أملى المعاهد مشتمل على حفظ العهود فاستلم المشتمل المستملي ليعلم أن إقرارك لا عن إكراه إن كنت نسيتني فما نسيتك‏.‏

فَلا تَحسَبوا أَني وِدادُكُم فَإِني وَإِن طالَ المَدى لَستُ أَنساكُم حَفِظنا وَضَيَعتُم عُهودَ وِدادِنا فَلا كانَ مَن بالهَجرِ وَاللومِ أَغراكُمُ يا محدثا في عهد ‏(بَلى‏)‏ ما ليس فيه تطهر من أدران الزلل فلا بد للمحدث من طهارة‏:‏ خلقتك يوم الفطرة طاهرا ووفرت نصيبك من رش نوري عليك فأينعت ‏"‏ أغصان ‏"‏ الإقرار وهدجأت حمائم الوفقا وتدلت ثمار الوفاء فلما تدنست بالذنب عطشت أرض الوصال فمالت أغصان المحبة وقحلت روضة المعاملة فطاف على جنة العزم طائف المصارمة ‏(فَأَصبَحَت كالصَرَيم‏)‏ فنكس الآن رأس الذل طول شتاء الهجر وابعث بريد الأسى ليبعث مزن الحزن لعلها تبكي على قاع الإفلاس ومسكن المسكنة فتدب المياه في عروق أغصان اللب فتهتز العيدان في ربيع الإستدراك فما ارتوى زرع توبة قط إلا من داودل الحدق‏.‏

لَعلَ أَيامَنا التَي سَلَفَت تَعودُ بَيضا كَما عَهِدناها يا هذا‏:‏ لا ضرر يلحقنا في معاصيك إنما المراد صيانتك ولا نفع لنا في طاعتك إنما المقصود ربحك فتدبر أمرك‏.‏

يا قوم من غيرتنا عليكم حرمنا عليكم الفواحش‏.‏

كم ندعوك وتأبى إلا الهجر فلا العهد رعيت ولا للتقويم استويت‏.‏

يا مَن يَعزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم وَجِدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ وَبَينَنا لَو رُعيتُم ذاك مَعرِفةٌ إنّ المَعارِفَ في أَهلِ الهَوى ذِمَمُ

الفصل السابع عشر في اغتنام العمر

إخواني‏:‏ من رأى تصرف الدهر انتبه أما في الغير عبر مهد الطفل عنوان اللحد ريح نقع الأجل يقشع غيم الأمل الشباب باكورة الحياة والشيب رداء الردى لو أن أيام الشباب تباع لبذلنا فيها أنفس الأنفس متى أسفر صبح المشيب هوى نجم الهوى إذا قرع المرء بباب الكهولة فقد استأذن على البلى من عرف الستين أنكر نفسه من بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية‏.‏

يا من انطوى برد شبابه وجيئت خلع قلعه وبلغت سفينة سفره الساحل قف على ثنية الوداع‏.‏

فَلَم يَبقَ إِلا نَظرَةٌ تَتَغَنَمُ قطع الشيب سلك العمر فالتقط الخرز ورث سفاء الأمل قاشدد بالعمل بعض الخرز‏.‏

عمرك يذوب ذوبابن الثلج وتوانيك أبرد منه‏.‏

وَلَم يَبقَ مِن أَيامِ جَمعِ إِلى مِنى إِلى مَوقِفِ التَجميرِِ غَيرُ أَماني أنت تحب الإقامة ولكن ما تحمل المفازة في نفس الجمل غير ما في نفس السائق ولو ترك القطا لنام‏.‏

العاقل من استعد لما يجوز وقوعه كيف يغفل عما لا بد من كونه زمن التررد قصير لا يحتمل التسويف‏.‏

واعجباب لمن ينشد وقد أضل نفسه ولمن يشفق أن ينفق دراهمه وقد ضيع عمره‏.‏

كان ‏"‏ ثلاج ‏"‏ لا معاش له سوى بيع الثلج فبقي عنده منه شيء لم ينفق فجعل يقول في مناداته‏:‏ ارحموا من يذوب رأسه ماله‏.‏

فقرك من الخير مشوب بالكسل ومتى كان الفقير كسلان فلا وجه للغنى لو كانت لك أنفة من التواني لخرجت من ربقة الذل بعت قيام الليل بفضل لقمة شربت كأس النعاس ففاتتك رفقة ‏(تَتَجافَى جُنُوبُهُم‏)‏ امتلأت طعاما فإذا غريم الفراش يتقاضاك بدين النوم فضرب على أذنك لا في موافقة أهل الكهف تناولت خمر الرقاد فوقع بك صاحب الشرطة فعمل في حقك بمقتضى أنم وأرقم فجعل حدك الحبس عن قيام الليل فخرج على توقيع قصتك وقت الفجر ‏(رَضوا بِأَن يَكونُوا مَعَ الخوالِف‏)‏‏.‏

والله لو بعت لحظة من خلوة بنا بتعمير ‏"‏ نوح ‏"‏ في ملك ‏"‏ قارون ‏"‏ لغبنت لا بل بما في الجنان كلها ما ربحت ومن ذاق عرف‏.‏

الفصل الثامن عشر أعمال الملائكة

خلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه وخلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها وركب البشر من الضدين فظلام نفسه مقترن بنور عقله بينهما حاجز لطيف لا تعلمه إلا بالمجاهدة كما أن بين الشمس والظل خط لا يراه إلا المهندس فالملل يسبح لأنه صاف والشيطان يعصي لأنه كدر وإنما العجب تقوى من تقوى في حقه الأضداد‏.‏

الآدمي عقل وهوى غير أن بين الهوى والهدى برزخ من التوفيق لولا لطائف الإعانة قلع سكر التماسك ولم تطق البشرية المدافعة لولا لاحقة ‏(لَنَهدِيَنّهُم‏)‏ لسابقة ‏(سَبَقَت لَهُم‏)‏‏.‏

فالصبر الصبر أيها المحارب ولا تخف من كمين ‏(وَاستَفزِز‏)‏ ما دام لك مدد ‏(يُثَبِتُ اللَهُ الَّذَينَ آَمَنوا‏)‏ هبت عواصف التكليف البشري فلم يتماسك ‏"‏ هاروت ‏"‏ و ‏"‏ ماروت ‏"‏ فرمى بهما رمي ‏"‏ عاد ‏"‏ وقال موافق ‏(أَتَجعَلُ فيها‏)‏ إن للحرب رجالا خلقوا كانت الملائكة تدعو على العصاة قبل ‏"‏ هاروت ‏"‏ و ‏"‏ ماروت ‏"‏ فلما جرت قصتهم صاروا يسبحون لمن في الأرض كما كان ‏"‏ داود ‏"‏ يقول‏:‏ لا تغفر للخطائين فلما زل عرف‏.‏

وَعَذَلتُ أَهلَ العِشقِ حَتى ذُقتُهُ فَعَجِبتُ كَيفَ يَموتُ مِن لا يَعشَقُ وَعَرَفتُهُم وَعَرَفتُ ذَنبي أَنَني عَيَّرتُهُم فَلَقَيتُ فيهِم ما لَقوا خب بحر الأمانة فوقفت الملائكة على الساحل ونهضت عزيمة الآدمي لسلوك سبيل الخطر يَغلِبُني شَوقي فَأَطوين السُّرى وَلَم يَزَل ذو الشَوقِ مَغلوباً أين مجاهدة الآدمي من تعبد الملائكة حال الآدمي أعجب تسبيح الملائكة يدور على ألسنتهم بالطبع تعبدهم لا عن تعب ورد شجرهم خال من شوك الحب الأغلب على أوصافهم أنوثية السلامة لا ذكورية الجهاد سبح تسبيحهم عقود ما نظمها التكليف ثمرات زرعهم نشأت لا عن كلف ساقها سيح العصمة فكثر في زكوات تبعدهم قدر الواجب ‏(وَيَستَغفِرونَ لِمَن في الأرض‏)‏ ظنت الملائكة أن أيدي العصمة أصنع من نظم التسبيح ونسوا أن يبس الأشجار أيام الشتاء سبب لزهر النور في الربيع‏.‏

الفصل التاسع عشر عزيمة الرجال

العزائم في قلوب أربابها كالنار تشتعل إنها لتستعمل البدن ولا تحس بالتعب‏.‏

يغلبني شوقي فأطوي السرى للعزائم رجال ليسوا في ثيابكم وطنوا النفوس على الموت فحصلت الحياة‏.‏

لَو رَأَيتَ ذا العَزمِ قَد بَرَزَ في بُرازِ الجَدِ يَمُدُ عِناناً لَم تُخنِةَ الشَكائِمُ فلما عاين هولا يلين له قلب الجبان حن إلى عوده المعجوم من الإصابة فهو في صف الجهاد أثبت قلبا من القطب في الفلك إن جن الليل لم تتصافح أجفانه لا تنتظر لقيامه وقت السحر وكيف وغلة الصادي تأبى له‏.‏

انتظارا لوراد فما مضى إلا قَليلٌ فَإِذا بِهِ عَلى قِمَةِ المَجدِ المُؤَثًلِ جالِسُ من لم يقم في طلاب المجد لم ينم في ظلال الشرف تَقولُ سُلَيمى لَو أَقَمتَ بِأَرضِنا وَلَم تَدر أَني لِلمُقامِ أَطوفُ كل الصحابة هاجروا سرا و ‏"‏ عمر ‏"‏ خرج ظاهرا وقال للمشركين‏:‏ ها أنا اخرج إلى الهجرة فمن أراد لقائي فليلقني في بطن هذا الوادي‏.‏

فليت رجالا فيك قد نذروا دمي مذ عزم ‏"‏ عمر ‏"‏ على طلاق الهوى أحد أهله عن زينة الدنيا فكان بيته - وهو أمير المؤمنين - كبيت فقير من المسلمين‏.‏

تَجَمَعت في فُؤادِهِ هَمَمُ مِثلُ فُؤادِ الزَمانِ إِحداها كان رضي الله عنه يقول‏:‏ لئن عشت لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي‏.‏

وَهِمَّةٌ بَعَثتُها هِمِةُ زُحَلُ مِن تَحتِها بِمَكانِ التُّربِ مِن زُحَلِ لما ولي ‏"‏ عمر بن عبد العزيز ‏"‏ سمع البكاء في داره فقيل‏:‏ ما لهم قيل‏:‏ إنه خير النساء والجواري قال‏:‏ من شاءت فلتقم ومن شاءت فلتذهب فإنه قد جاء أمر شغلني عنكن‏.‏

أَقسَمُ بِالعِفَةِ لأتيِّمَهُ ظَبيٌ رَنا أَو غُصنُ تَأَوَّدا وَكُلَما قيلَ لَه تَهِنَّ قَد حَزَتِ المِنى فَقَد جَزَت المَدى واعجبا‏!‏ أين العزائم إن العجز لشريك الحرمان وإيثار الراحة يورث التعب‏.‏

وَالهُونَ في ظلِ الهُوينا كامِنٌ وَجَلالَةُ الأَخطارِ في الأخطارِ اغسل وجه الجد من غبار الكسل وأنفق كيس الصبقر في طريق الفضائل إن كانت لك عزيمة فليس في لغة أولي العزم ربما وعسى‏.‏

لَيسَ عَزماً ما مَرِض القَلبُ فيه لَيس هَماً ما عاقَ عَنهُ الظَلامُ

الفصل العشرون الظلام والتيه

يا تائها في ظلمة ظلمه ياموغلا في مفازة تيهه يا باحثا عن مدية حتفه يا حافرا زبية هلاكه يا معمقا مهواة مصرعه بئسما اخترت لأحب الأنفس إليك‏.‏

ويحك‏!‏ تلمح الجادة فأنت في ظلال عين أملك ترى المحبوب وتعمى عن المكاره إذا كان عمرك في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى كيف يبقى على حالته من يعمل الدهر في إحالته كيف تطيب الدنيا لمن لا يأمن الموت ساعة ولا يتمل له سرور يوم كم قرع الزمان بوعظه فما سمعت ‏(لِيُنذِرَ مَن كانَ حَياً‏)‏ صاح ديك الإيقاظ في سحر ليل العبر فما تيقظت فتنبه إذا نعق غراب البين بين البين‏.‏

وَمَشَتِتِ العَزَماتِ يُنِفقُ عُمرَهُ حَيرانَ لا ظَفَرٌ وَلا إِخفاقُ يا مؤثرا ما يفني على ما يبقى هذا رأي طبعك هلا استشرت عقلك لتسمع أنصح النصائح من كان دليله البوم كان مأواه الخراب‏.‏

ويحك‏!‏ شهوات الدنيا أحلام يزخر منها نوم الغفلة ونظر الجاهل لا يتعدى سور الهوى ولا يخرق حجاب الغفلة فأما ذو الفهم فيرى ما وراء الستر لاحت الشهوات لأعين الطباع فغمض عنها ‏(الَّذَينَ يُؤمِنونَ بالغَيب‏)‏ فوقع أكثر الخلق في التيه والقوم ‏(عَلى هُدى مِن رَبِهِم‏)‏‏.‏

رحل الصالحون وفي القوم تثبط تالله لقد علموا شرف المقصد ولكن بعدت عليهم الشقة واأسفا‏!‏ لو عرفوا عمن انقطعوا لتقطعوا يصبحون في جمع الحكام ويبيتون على فراش الآثام وينفقون في الهوى بضائع الأيام ‏(أَُولَئِكَ الَّذَينَ اِشتَروا الضَلالَةَ بِالهُدى‏)‏ سلمت إليهم أموال الأعمار فأنفقوها في ديار البطالة ‏(فَما رَبِحَت تِجارَتُهُم‏)‏ هذا والعبر تصيح ‏(فَهَل يَنتَظِرونَ إِلا مِثلُ أَيامِ الَّذَينَ خَلَوا مِن قَبلِهِم‏)‏ غير أن المسامع قد تملكها الصمم ويحهم‏!‏‏!‏ هلا تدبروا فساد رأي أمل ‏(وَأَن عَسى أَن يكونَ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صور وعبر

كتبها المحتسب زاوي ، في 5 فبراير 2012 الساعة: 20:26 م

 صور وعبر

            لفضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني
بسم الله الرحمن الرحيم
 

الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، ذي العفو الواسع، والعقاب الشديد، من هداه فهو السعيد السديد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، ومن أرشده إلى سبل النجاة ووفَّقه فهو الرشيد، يعلم ما ظهر وما بطن، وما خفي وما عَلَن، وما هَجُن وما حَسُن، وهو أقرب إلى الكل من حبل الوريد. قسَّم الخلْق قسمين، وجعل لهم منزلتين، فريق في الجنة وفريق في السعير. إنَّ ربك فعال لما يريد (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ للْعَبِيدِ) أحمده وهو أهل الحمد والتحميد، وأشكره والشكر لديه من أسباب المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ذو العرش المجيد، والبطش الشديد، شهادة تكْفُل لي عنده أعلى درجات أهل التوحيد، في دار القرار والتأييد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، أشرف من أظلَّت السَّماء، وأقلَّت البِيدُ، -صلى الله عليه وسلم -تسليمًا كثيرًا، وعلى آله وأصحابه أولي العون على الطاعة والتأييد، صلاةً دائمةً في كل حين تنمو وتزيد، ولا تنفد ما دامت الدنيا والآخرة ولا تبيد.

روحي الفداء لمن أخلاقه شهدت ***  بأنَّه خير مبعوثٍ من البشرِ

عمَّت فضائله كل البلاد كما *** عمَّ البرية ضوء الشمس والقمرِ

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُم مسْلِمُونَ) (يا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل هذا الاجتماع ذخرًا لي ولكم يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وأن يجعله من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الأعمار، اللهم اكتب لنا به أجرًا، وارفع به ذكرًا، واجعله لنا ذخرًا، اللهم اجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأعمالنا خيرًا من أقوالنا، اللهم أنِرْ بصائرنا، وثبتنا على الحق حتى نلقاك، واجعل حديثنا حديث قلب لقلوب، أنت أكرم مسئول على الدوام، وأحق من يُرْتَجَى منه حسن الختام. صور وعبر الحلقة الثانية (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يفْتَرَى)

 

أحبتي في الله: إن الصحابة الأبرار كما تعلمون هم حملة الإسلام وحفظته بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه، ونشر رسالته من بعده، عدَّلهم وزكَّاهم، ووصفهم بأوصاف الكمال في غير ما آية من كتابه، رضي الله عنهم ورضوا عنه، نوعٌ فريد من الرجال،عدول ثقات صالحون، حازوا قَصبَ السبق في كل شيء، لم تعرف البشرية لهم نظيرًا، قمة في التقوى والورع، آية في التجرد والإخلاص، مِشْعَل في العلم والعمل، نِبْرَاس في الدعوة إلى الله.

تالله لقد وردوا الماء عذبًا زلالا وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحدٍ مقالا فتحوا القلوب بالقرآن، وفتحوا القرى والمدائن به وبالسنان، هم أنصار الدين في مبتدأ نشأته، بذلوا المُهج يوم بخل أهل الدراهم بدراهمهم، رجال المغارم يوم يندس المغمورون في ثيابهم، هم لله -عز وجل- قلوبًا وأبدانًا ودماءً وأموالا، لم يجعلوا همَّهم حشو البطون، ولا لبس الحرير، ولا الإغراق في النعم، حفظوا الشرع من أهواء الزائغين، وحموا الملة من زحف المناوئين، شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، حملوا الوحْيَين، وحضروا البيعتين، وصلَّوا -أو أغلبهم صلى- إلى القبلتين. كلهم له همٌّ، وهمهم رفعة لا إله الله، كلهم له قصد، وقصدهم الجليل في علاه، خرجوا من أموالهم لله ولرسوله، فما شفا ذلك لهم غليلا، فأبوا إلا أن يقدموا الجماجم، ويسيلوا الدماء، ويستعذبوا العذاب في ذات ربهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأكرم في جنات الخلد مثواهم.

بيضُ الوجوه ترى بطون أَكُفِّهِم ***  تندى إذا اعتذر الزمانُ الممحلُ

من كان متأسيًا فليتأس بهم؛ فهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، وأقومها هَدْيًا، وأحسنها حالا.

همُ الرجال بأفياء الجهاد نَمَوْ ***  وتحت سقفِ المعالي والنَّدى وُلِدُوا

جباهُهم ما انحنت إلا لخالقها *** وغير ملةِ أبدع الأكوان ما عبدوا

الخاطبون من الغايات أكرمها *** والسابقون وغير الله ما قَصَدُوا

ومن هنا: فإن الكلام عن هؤلاء العظماء، وكشف الستار عن الصفحات الناصعة التي سطروها، واجب محتم علينا في هذا العصر في هذا العصر الذي نعيش فيه معمعة الأفكار، واضطراب الموازين، وموالاة الكفار، والوقوع في الصحابة الأبرار. واجب؟ نعم لردع أهل الهوى من الزنادقة والملاحدة، وأهل الكفر والابتداع الذين انتقصوا وسبُّوا خير جيل وطائفة وُجِدَت على وجه الأرض، لا لشيءٍ إلا لأنهم حَمَلة الإسلام، ورواة الأحاديث التي تهدم بِدَعهم، وتُظهر ضلالهم، وتُبْرز خُبْث طوَّيتهم، قاتلهم الله، وقاتل كل من حادَ عن كتاب الله وسُنَّة مصطفاه، واتَّبع غير سبيل المؤمنين. فهَلُمَّ هلم، وحي هلا بكم –أيها الأحبة- لنعيش الليلة معكم في ظلال محطة صور، ومائدة عبر من حياة عَلَم آخر في سلسلة أعلام هذه الأمة المباركة. علم يجب على الأمة أن تجعله وصحبه حديث شيوخها في السمر، وقصص أطفالها الذين لطالما أشغلوا بالقصص الهابط، والرسوم المتحركة، وحديث شبابها في منتدياتهم ونواديهم التي لطالما شغلت بالحديث عن اللاعبين والفنانين والساقطين والساقطات، إنه من أظهر إسلامه يوم كانوا يخفونه، إنه من تقلَّد سيفه وتنكب قوسه، وأخرج أسهمه وأتى الكعبة وأشراف قريش في فنائها، فطاف سبعًا رغم أنوفهم، وصلى ركعتين، وأتى حلقهم واحدة واحدة يقول: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد. إنَّه مرقع القميص، وبين يديه الغالي والنفيس، إنَّه من يسلك الشيطان فجًا غير فجه، إنَّه الوقَّاف عند كتاب الله، المجاهد في سبيل الله، إنَّه القِيَم والمُثُل بعينها، وما أروع المثل يوم تكون رجالا فتكون الأخلاق فِعالا، إنَّه العادل إنْ ذكر العادلون، هو من سهر لينام الناس، وجاع ليشبع الناس، هو من جعل كبير المسلمين أبًا، وأوسطهم أخًا وأصغرهم ولدًا، هو من لا تأخذه في الله لومة لائم، هو قائل الحق ولو كان مرًّا، إنَّه من اشترى أعراض المسلمين من أحد الشعراء بثلاثة آلاف درهم، حتى قال ذلك الشاعر:

وأخذت أطراف الكلام فلم تدعْ *** شَتْمًا يضر ولا مديحًا ينفعُ

ومنعتني عِرض البخيل فلم يَخَفْ *** شتمي وأصبح آمنا لا يفزعُ

زلزل عروش الظالمين، ودكَّ قلاع الأكاسرة والقياصرة، وخضعت لعدالته الجبابرة والأباطرة، وهَوَت عناكب الظلم أمام رايات عدله الخفَّاقة وفتوحاته المظفرة، فَأَرْغَم أنوف الروم، وحطم كبرياء الفرس، وأخرج المغضوب عليهم –اليهود- من جزيرة العرب بغدرهم ونقضهم العهود، أخرجهم أذلةً صاغرين، إنَّه الزاهد العالم العابد الغيور الخائف من الله، وكفى أظنكم قد عرفتموه، إنَّه [عمر بن الخطاب] -رضي الله عنه وأرضاه-، ولعنة الله على من أبغضه وعاداه، نور أضاء سطور التاريخ، وغرة في جبين الزمان، أُمَّة في رجل، إمام همام، مميت الفتن، ومحيي السُّنَنَ. عمر الذي لا يجهله أحد، وفي نفس اللحظة قلَّ أن يعرفه أحد في هذا العصر. يعرف بعضهم بعض أخباره، ونتفًا من نسبه وأعماله ، أما روح تلك الأخبار فلا يدركها إلا من تأملها من الأخيار، وإني لأرجو الله أن نكون وإياكم من أولئك الأبرار.

مراكبُ أهل الهوى أتخمت *** نزولا ومركبنا صاعدُ

إذا عدد الناس أربابهم *** فنحن لنا ربنا الواحدُ

إلى صور ذات عبر من حياته، وعذرًا لن نفيه حقه في هذه العُجالة

فأعلامُه في كل أرض خوافقُ *** يدين بها شرقٌ ويخضع مغربُ

لكن حسبنا أن نقف عند بعض صور من حياته؛ وقفة عظة وتدبر واقتداء، ولأهل الهوى ردع وزجر، هاهي محطتنا الليلة محطة عُمَريَّة ، فهل أنتم نازلون؟ وهذه مائدتنا فهل أنتم إليها مائلون؟ أم أنكم لا ترغبون، معذرة لأصحاب البطون؛ أعني من لأجل رفع مستواهم المعيشي يكدون، ويقلقون في الكلام عن المسكن والسيارة والأثاث والراتب لا يملون، وعلى هامش الحياة بلا رسالة، يعيشون بهائم في مسالخ البشر وهم لا يشعرون، هتافهم دائمًا وأبدًا أين الصُحُون، مائدتنا تعتذرهم ثم تعتذرهم وتقول: إلىَّ إليَّ أيها المتيقظون العاملون المتدبرون، ومن بِسَلَف الأمة يقتدون، ومن عن التُرَّهات يترفَّعون، أنتم جميعًا مدعوون، وأنتم إن شاء الله رابحون. (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مما يَجْمَعُونَ)

يا ربُ أنت العليم بظاهري وبباطني *** بالسر بل أخفى وبالإعلانِ

أنت السميع لمنطقي وحروفه *** أنت الخبير بموقفي ومكاني

إن لم أكن أهلا لتوفيقٍ فمُن  ***  فلأنت أهل المَنِّ والإحسانِ

يا ربُ أنت المُرتجى والمُبتَغَى ***  وأنا الفقير بذلتي وهواني

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحَزَنَ إذا شئت سهلا.

 

الصورة الأولى: علم عمر- رضي الله عنه- أنَّ الخلافة أمانة لا استعلاء، وتكليف لا تشريف، وغُرْمٌ لا غُنْم، فقام يمشي في الأسواق بلا مواكب ولا مراكب، يطوف الطرقات يقضي حاجات الناس ويقضي بينهم، يَخْلُفُ الغزاة في أهلهم، يتفقد أحوال رعيته، همُّهم همُّه، وحزنهم حزنه، لينٌ، قوي، حازم، رحيم، راعٍ أمين، يقول تحت وطأة المسئولية كما روى [مجاهد] عن [عبد الله بن عمر] يقول: لو مات جَدْيٌ بطرف الفرات لخشيتُ أن يحاسب الله به عمر يوم القيامة. وفي رواية: لو عثرت دابة بضفاف دجلة لخشيتُ أن يسألني الله عنها لِمَ لمْ تُمهِّد لها الطريقَ يا عمر؟ يا لله! كلمات تدعو للتأمل في شخصية ذلك الرجل الذي ضربت به الأمثال في العدل والزُّهد والحرص على رعاية الأمة بالليل والنهار. فلا عبقري يفري فريه في ذلك العهد وفي ذلك الزمن. وبالمناسبة يذكر المؤرخون أن حمامة باضت في فسطاط [عمرو بن العاص] والي مصر آنذاك، فلما عزم على الرحيل أمر عماله أن يخلعوا الفسطاط، فلفت أنظارهم عش حمامة فيه بيض لم يفرخ بعد، فلم يُزْعِجُوا الحمامة، ولم ينتهكوا حرمة جوارها، بل أوقفوا العمل، وذهبوا إلى عمرو –رضي الله عنه- يعرضون عليه الأمر، ويأخذون رأيه فيها، فقال: لا تُزْعِجُوا طائرًا نزل بجوارنا، وحلَّ آمنًا في رحالنا، أجِّلُوا العمل حتى تَفْرُخَ وتطير. فيا للعظمة! ويا للرحمة! حتى الطير ينعم في ظل الأمن والعدل! مع العدول- رضوان الله عليهم- أيها الأحبة: إن المسلم وهو يستعرض مثل هذه المواقف ليأسى ويحزن يوم يصبح المسلم في عالمنا الإسلامي يتمنى أن يحظى بالاهتمام الذي كان يحظى به الحيوان والطير، في زمن عمرو، وعمر- رضي الله عنهما وأرضاهما- وأعود فأقول وأكرر مرارًا وتكرارًا: كل ذلك بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، من هادن الأفعى تجرع سمها يومًا ما، ثم أثَنِّي فأقول: هنيئًا ثم هنيئًا لمن اكتحلت عيناه برؤية ذلك المجمع وذلك الجيل، الذي عمَّ عدله الطير والحيوان، اللهم وقد حرمنا رؤيتهم في الدنيا فلا تحرمنها في الآخرة؛ في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

صورة أخرى: كان يرى مسئوليته عن كل فرد في سربه وأيِّمًا في بيتها ورضيع في مهده هو القائل: ما مثلي ومثل هؤلاء إلا كقومٍ سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا، فهل له أن يستأثر منها بشيء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين، قال: فكذلك مَثَلِي ومَثَلُكُم.

في عام الرَّمادة؛ وهو عام شديد القحط والجدب، ما قُدِمَت له لقمة طيبة فأكلها بل كان يؤثر بها الفقراء والمساكين، يوم زار الشام جِيء له بطعامٍ طيب، فنظر إليه وقال: يا لله! كل هذا لنا، وقد مات إخواننا لم يشبعوا من خبز الشعير؟! والله لا أطعمه.

إن جاع في شدةٍ قومٌ شَرَفْتَهُم ***  في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها

جوع الخليفة والدنيا بقبضته *** في الزهد منزلة سبحان مُوليها

يتغير لونه في عام الرمادة من أبيض حتى يصبح مسودًّا من شدة الهمِّ بأمر المسلمين، يأكل الخبز بالزيت، ويمسح بطنه ويقول- كما رواه [ الإمام أحمد] بإسناد صحيح – :والله لتمرننَّ أيها البطن على الخبز والزيت مادام السمن يباع بالأسواق، والله لا تشبع حتى يحيى الناس. عجزت نساء الأرض أن يُنْجِبْنَّ مثلك يا عمر. يقول أسلم -كما في تاريخ عمر [لابن الجوزي]-: كان يقوم يصلي من الليل، فيذكر ما حلَّ بالمسلمين فلا يدري ماذا يصلي، يقول: إني لأفتتح السورة فما أدري أنا في أولها أم في آخرها، لما أعلم مما يلاقي المسلمون من الشدة. وحدث [الواقدي] قال: حدثنا [هشام] عن [سعد عن زيد بن أسلم] عن أبيه قال: لما كان عام الرَمَادَة جاءت وفود العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فأمر عمر رجالا يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة من الليالي: أحصوا من يتعشى عندنا، فأحصوهم في القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، أما المرضى والعيال الذين لا يحضرون تلك المائدة فقد بلغوا أربعين ألفًا، فكان يرسل إليهم عشاءهم في بيوتهم. فما برحوا حتى أرسل الله السماء. فوكل عمر بهم من يخرجهم إلى البادية ويعطيهم قوتًا، وحملانًا، ومتاعًا، وكان قد وقع الموت فيهم فأراه قد مات ثلثاهم، وقد كانت قدور عمر -رضي الله عنه وأرضاه- يقوم لها العمال من وقت السحر ليعملون الطعام، ونفذ ما في بيت المال، فلم يبق منه قليل ولا كثير. يروي [ابن كثير] في تاريخه: أن عمر عس ذات ليلة في ذلك العام، وقد بلغ بالناس الجهد كل مبلغ فلم يسمع أحدًا يضحك، ولم يسمع متحدثًا في منزله كالعادة، ولم يرَ سائلا يسأل، فتعجب وسأل فقيل: يا أمير المؤمنين قد سألوا فلم يجدوا فقطعوا السؤال؛ فهم في همٍّ وضيق، لا يتحدثون ولا يضحكون، ولا يمزحون، فيا لله! ماذا يفعل عمر؟ قد نفد كل ما في بيت المال، فألزم نفسه ألا يأكل سمينًا؛ فكان يبث له في الخل بالزيت حتى اسودَّ لونه، وتغير جسمه، وخشي عليه خشية عظيمة – رضي الله عنه وأرضاه – وتبلغ الأمور ذروتها، وحينها يلجأ مضطرًا إلى الله عالمًا علم يقين أن رفع البلاء بالتوبة والاستغفار، لا بفصاحة المتشدقين، وتصدي المتبجحين، فعن [أبي وِجْزة السعدي] عن أبيه قال: رأيت عمر خرج بنا يوم الرمادة إلى المصلى يستسقي فكان أكثر دعائه الاستغفار حتى قلت: لا يزيد عليه، ثم دعا الله وأوصى الناس بتقوى الله- عز وجل- فقال: اتقوا الله في أنفسكم، وما غاب عن الناس من أمركم، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، فما أدري السَّخطة عليّ دونكم أو عليكم دوني، أو قد عمَّتكم وعمتني، فهلمُّوا فلندعُ الله أن يصلح قلوبنا، وأن يرحمنا، وأن يرفع عنا البلاء، فرُئِيَ يومها رافعًا يديه يدعو الله ويبكي، والناس يدعون وراءه ويبكون، ثم نزل فلم يزلْ هذا شأنه حتى جاءت الرحمة من الله، وأذن الله للناس بالغياث والفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، فله الحمد أولا وآخر، وظاهرًا وباطنًا. أيها الأحبة: هذه مؤهلات الفرج، وهذه مؤهلات الغوث من رب العالمين؛ الجباه الساجدة لله، والعيون الدامعة من خشية الله، والأيدي المتوضئة المرتفعة يا رب يا رب ، ومطعمها حلال ومشربها حلال ، وتغذيتها حلال فأنى يرد من هذا حاله؟ يقول  [أسلم]: فلو لم يرفع الله المحل عام الرمادة؛ لظننا أن عمر يموت همًا بأمر المسلمين رحم الله عمر ورضي عن ذلك النموذج. قد عرف مسئوليته تجاه رعيته، وراقب الله فيمن تحت ولايته، فأحبهم وأحبوه ورضي عنهم ورضوا عنه ، عفَّ فعفوا وصدق فصدقوا ولو رتع لرتعوا

ما كان إلا الشمس يسطع ضوؤها ***  والخصب في أرض الضلال الماحلِ

قف أيها التاريخ سجل صفحةً  *** غراء تنطق بالخلود الكاملِ

حَرِّك بسيرته القلوب وقد قست *** وعدت بقسوتها كصُمِّ جنادلِ

 

صورة أخرى: روى [الإمام أحمد] بإسناد حسن في الفضائل ، قال: عن [زيد بن أسلم] عن أبيه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى <حرة واقم>، حتى إذا كنا بمرتفع إذ بنار بعيدة فقال عمر: يا أسلم إني لأرى هناك ركْبًا حبسهم الليل والبرد فانطلق بنا، قال: فخرجنا نُهَرْوِلُ حتى دنونا منهم، فإذا هي امرأة معها صبية صغار، وإذا بِقِدْر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون، فقال: السلام عليكم يا أهل الضوء - وقد كره أن يقول: يا أهل النار- قالت: وعليكم السلام، قال عمر: أأدنو؟ قالت: ادْنُ بخير أو دع. فدنا فقال: ما بكم قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فمالِ هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: فأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء أُسْكِتَهُم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر. كلمات يهتز لها قلب وجنان كل مؤمن، فما بالك بعمر؟ يقول: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا، ثم يغفل عنا، الله بيننا وبينه. قال [أسلم]: فأقبل عليَّ عمر به ما به، يقول: انطلق، فأتينا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلا من دقيق، وكبَّة من شحم، ثم حملها عمر على ظهره، فقلت: أحملها عنك يا أمير المؤمنين، قال: لا أمَّ لك، أتحمل عني وزري يوم القيامة؟! قال: فانطلقنا حتى أتيناها، فألقى العدل عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، وجعل يقول: دُرِّي عليّ وأنا أُحرِك، وجعل ينفخ تحت القدر، والدخان يتخلل لحيته، فلو رأيته لرأيت عجبًا، ثم أنزل القدر فأتته بصحفة فأفرغ فيها الطعام، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم، فلم يزل كذلك حتى شبعوا، ثم ترك عندها فضل ذلك الطعام، ثم قام وهي تقول: جزاك الله خيرًا. كنت أولى بهذا الأمر من عمر، قال: قولي خيرًا قولي خيرًا، ثم تنحى عنهم ناحية واستقبلهم وقد رَبَضَ مَرْبَضًا يراقبهم، يقول أسلم: فقلت إن له لشأنًا وهو لا يكلمني حتى رأى الصبية يصطرعون، ثم ناموا، فقال يا أسلم: ما أسهرهم إلا الجوع، فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما رأيت. يا لها من كلمة تكشف عن رهافة الحس ونقاء الضمير! كل ذلك قبل أن يعرف العالم حقوق الطفولة، وقبل أن تُنْشأ لها المنظمات العالمية، سبق الإسلام إلى تقري حقوق الطفولة والأسرة فرضي الله عن عمر وعن صحبه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قرر مثل هذه الحقوق.

 

أيها الأحبة: إن هذه الصورة لتذكرنا بصورة أخرى مضيئة في حياة عمر- رضي الله عنه وأرضاه- يذكر [الأوزاعي] أن عمر خرج في سواد الليل، فرآه طلحة فتبعه، فذهب عمر حتى دخل بيتًا، ثم خرج منه وطلحة يراقبه، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فجزاه الله عني خيرًا. فيقول طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتتبع؟ يا لله! هل يفعل الواحد منا مع أهله ما يفعله عمر مع رعيته؟ لا، إنه الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل، فلا والله لا ينساه الأيامى والثكالى واليتامى مادام في الأرض أيْمٌ أو ثكلى أو يتيم، ولا والله ما تنساه البطون الجائعة والأكباد الظامئة ما دام في الأرض بطن جائع أو كبد ظمأى.

فمن يباري أبا حفصٍ وسيرتَه *** ومن يحاول للفاروقِ تشبيها

ومن رآه أمام القدر منبطحًا  *** والنارُ تأخذ منه وهو يُزْكِيْهَا

وقد تخلل في أثناء لحيته *** منها الدخان وغاب فُوهُ فِي فِيهَا

رأى هناك أمير المؤمنين على *** حالٍ تروع لعَمْرِ الله رائِيْهَا

يستقبل النارَ خوف النارِ في غَدِه *** والعَيْنُ من خشيةٍ سالت مآقِيها

 

صورة أخرى: كان- رضي الله عنه- عظيم التواضع للخلق والحق، وكل الصور تدل على ذلك. رفعه الله بتواضعه درجات في الجنة. فعن [الفضل بن عميرة] أن [الأحنف بن قيس] قدم على عمر في وفد من العراق في يومٍ صائفٍ شديد الحر وهو محتجز بعباءة، يهنأ بعيرًا من إبل الصدقة، فقال: يا أحنف ضع ثيابك، وهلم فَأَعِنْ أمير المؤمنين على هذا البعير؛ فإنه من إبل الصدقة، فيه حق لليتيم والمسكين والأرملة، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين، هلا أمرت عبدًا من عبيد الصدقة يكفيك هذا، قال عمر: ثكلتك أمك، وأُيُ عبدٍ هو أعبد مني ومن الأحنف. إنه من ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين، يجب عليه ما يجب على العبد لسيده من النصيحة وأداء الأمانة، فيا لله! ورب عمر إن مشهدًا كهذا خير من الدنيا وما فيها. يقول [عبد الله بن عمر بن حفص]: إن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- كان يحمل القِرْبَة على عنقه، فيقال له في ذلك. فيقول: إن نفسي أعجبتني فأردتُ أن أذلها. بل إنه لربما أخذ بيد الصبي يلقاه، فيقول: له ادْعُ لي؛ فإنك لم تذنب قط. بل إن [ابن عباس] –رضي الله عنه- دخل عليه يوم طُعِنَ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، أسلمت حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله الناس، وتوفيَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان. فقال عمر: أعد، أعد. فأعاد. فقال عمر: المغرور مَنْ غُرَّ. ولو أن لي ما على ظهرها من بيضاءَ وصفراءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطلع، وددتُ أني أنجو كَفافًا لا أجر لي ولا وزر. (تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) وكان متواضعًا للحق يقبله في السر والعلن، لقد كان بينه وبين رجل كلام في شيءٍ – كما أورد [ابن الجوزي] في تاريخه – فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين. فقال له رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟! فقال له عمر على الفور: دعه، فليقلها لي، نِعْمَ ما قال. لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم. يا ليت هذه الكلمة تكون عنوانا ولجامًا يلجم به نفسه كل من ولي من أمر المسلمين شيئًا صَغُر أو كَبُر إذًا لصلح الحال، وتغيرت الحال، وكسدت سوق النفاق. ولكن أشد عيوبنا أنَّا إذا ما نُصِحْنَا خَدَّرتْنَا الكبرياء.

كان خوفه من الله عظيمًا بل ما قاده وحاده لتلك الأعمال المُشْرِقَة الخالدة إلا خوفه من الله – عز وجل – كان يمر بالآية فيغلبه البكاء وهو يصلي بالناس، حتى يقول ابنه عبد الله: إني لأسمع حنينه من وراء ثلاثة صفوف، وإنَّه لينشج حتى أقول: اختلفت أضلاعه. بل ذُكِر أنَّه خرج يعس ليلة من الليالي فمر بدار رجل من الأنصار، فوافقه قائمًا يصلي، يوم كانت دور المسلمين تعمر بالقرآن لها دوي كدوي النحل، وقف يستمع لقراءته فقرأ (وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مسْطُورٍ) حتى بلغ (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ*مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) فقال عمر: قسم حق ورب الكعبة، ثم نزل عن حماره، واستند إلى حائط فمكث مليًا به ما به، ثم رجع إلى منزله فعاده الناس، لا يدرون ما مرضه؟ هذه حاله مع آية من آيات القرآن. فما حالنا مع كتاب الله ؟

عُمْيٌ عن الذكر والآيات تَنْدُبُنَا *** لو كلَّم الذِّكْر جُلْمُودًا لأبكاهُ

كان شديد المحاسبة لنفسه، يقول أنس: خرجت مع عمر فدخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر أمير المؤمنين بخٍ بخٍ والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله ، فهلا خلا أحدٌ منَّا بنفسه يعاتبها ويحاسبها، علها أن تذكر الله فتسبل دمعة يستحق بها أن يكون ممن يستظل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، نشكو إلى الله قسوة قلوبنا وغفلتنا، ونسأله بعزته وقدرته أن يلين قلوبنا فيه حتى تكون ألين من الزبَد. هو ولي ذلك والقادر عليه.

 

صورة أخرى أيها الأحبة: إن الزهد في الدنيا، والإعراض عن طلب زينتها، والعزوف عن شهواتها، من كمال الإيمان، ورجاحة العقول. إذ الدنيا حقيرة، وزينتها خداع وسراب، شهواتها آلام تدفع بآلام، عرف ذلك الفاروق فركلها وقد أناخت عند قدميه. وذلك –والله- هو الزهد بعينه. ذكر [السيوطي] في كتابه تاريخ الخلفاء الراشدين أن [ابن سعد] أخرج أن [حفصة] [وعبد الله] ابني عمر كلموا عمر فقالوا له: لو أكلت طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم ، قال: قد علمت نصحكم لي، ولكني تركته، لقد تركني صاحباي على جادة؛ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل.

له أمنياتٌ قَدَّسَ الله سِرَّها ***  لتحقيقها في الأرض يرسو ويبحرُ

يَكِلُّ جناح النسر دون بلوغها *** وفي دربها الخيل الأصيلة تعثرُ

يذكر [القرطبي] في تفسيره عن [قتادة] أنه قال : ذُكِرَ لنا أن عمر-رضي الله عنه-قال : لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعامًا وألينكم لباسًا ولكني أستبقى طيباتي للآخرة. قال: ولما قدم الشام صُنِعَ له طعامٌ لم يُرَ مثله، قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال [خالد بن الوليد]: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر بالدموع، وقال: لإن كان حظنا من هذه الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة، لقد باينونا بونًا بعيدًا، ثم أجهش بالبكاء

يهفو إليهم لعل العيش يهنأ له *** ما بين صحب وأرحام وإخوان.

 لقد تلَقَّى الزهد دروسًا عملية تربوية من سيد الزاهدين محمد – صلى الله عليه وسلم – فاسمع يوم يروى [مسلم] فيقول: دخل عمر على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في مشربة له، فالتفت في بيت رسول الله – صلى الله عليه – وسلم فلم يجد شيئًا يَرُدُّ البصرَ إلا جلودًا قد سطع ريحها، ورسول الله مضطجع قد أثرت حبال السرير في جنبه الشريف – صلى الله عليه وسلم – فتدمع عينا عمر-رضي الله عنه –فيقول – صلى الله عليه وسلم -: ما بك يا [عمر]ٍ؟ فيقول: أنت رسول الله وخِيرته من خلقه على هذا، [وكسرى] [وقيصر] في الديباج والحرير وما تعلم؟! فاستوى – صلى الله عليه وسلم – جالسًا وقال: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك أقوام عُجِلَت لهم طيباتهم في الدنيا. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا  ولنا الأخرى"؟ أو كما قال: صلى الله عليه وسلم (وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)

تموت الأُسْد في الغابات جوعًا ***  ولحمُ الضأن تأكله الكلابُ

وعبد قد ينام على حرير  ***  وذو نسب مفارشه الترابُ

بمثل هذا الدرس النبوي الشريف تشبعت روح عمر بمعاني الكمال، وأصبح في ذلك نعم المثال. يدخل بيته ذات يوم وقد أصابه الجوع، فقال: أعندكم شيء؟ فقالت امرأته: نعم ما تحت السرير، فتناول وعاءً من تحت السرير فيه تمر فأكل ثم شرب من الماء ثم مسح على بطنه، وقال: الحمد لله، ويل لمن أدخله بطنه النار! ويل لمن أدخله بطنه النار! ونهدي هذه المقالة للذين لا يتورعون، أأكلوا من حلال أو حرام؟ ويل لمن أدخله بطنه النار! هاهو عمر والرهط المؤمنون معه أمام غنائم كسرى من الفرس؛ بساط كسرى وسواريه وجواهره وحلله وأمواله، وبينما هو كذلك إذ بعينه تذرف الدموع حَرَّى يكفكفها بطرف ثوبه. ويدهش الصحابة، ويقولون: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فينهد باكيًا، قائلا: فدت نفسي رسول الله وهو الأحب إلى الله منا، فدت نفسي أبا بكر وهو عند الله خير منا، والَهْفَ نفسي! مَضَوا إلى الله وخلفونا، ولم يَرَوا من زهرة الدنيا شيئًا، ثم فُتِحَ علينا من الدنيا ما ترون، وأخشى أن تكون طيبات عجلت لنا. فضج المسجد بالبكاء فما تسمع إلا النشيج والحنين. إيه يا عمر ! قد عشت عمرك زاهدًا في كل ما جمع البشر، أتعبت من سيجيء بعدك في الإمارة يا عمر.

 

صورة أخرى: أورد [ابن كثير] في تاريخه عن [قيس بن الحجاج] قال: لما فُتِحَت <مصر> أتى أهلها إلى [عمرو بن العاص] حين دخل بؤونة شهر من أشهر العجم فقالوا له: أيها الأمير؛ إن لنيلنا هذا سُنَّةٌ لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا:  إذا كانت اثنتي عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل، فقال لهم عمرو –رضي الله عنه-: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، ومنعهم فأقاموا ثلاثة أشهر والنيل لا يجري منه قليل ولا كثير فتنة وابتلاء من الله حتى هموا بالجلاء من مصر، فلما رأى عمرو بن العاص ذلك الأمر وما حل بهم، كتب إلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بذلك فكتب إليه عمر: لقد أصبت بالذي فعلت والإسلام يهدم ما قبله، ثم كتب بطاقة داخل كتابه، وقال لعمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرياض النضرة في مناقب العشرة

كتبها المحتسب زاوي ، في 4 فبراير 2012 الساعة: 12:36 م

الرياض النضرة في مناقب العشرة 

المحب الطبري

 

 

أبو جعفر أحمد بن عبدالله الطبري(ت694هـ) 

 

 

هو كتاب في تراجم الرجال، وقد اختص مؤلفه بذكر تراجم الرجال العشرة المبشرين بالجنة لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإظهار فصلهم حيث اختصهم الله تعالى بهذا الفضل العظيم من قربهم من النبي ومن دخولهم الجنة وللوقوف بوجه من يحاول الطعن بهم أو بإخلاصهم وقد اعتمد المؤلف الثبوت والصحة في النقل والإستدلال فأكسب الكتاب أهمية بين كتب التراجم  

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. الحمد لله يختص من يشاء برحمته وملبس من سبقت له منه الحسنى أثواب عنايته ومفضل بعض الخلق بما منهم به من طرائف نعمه ولطائف منته ومصرف الأحكام في العبيد فمن شقي وسعيد ومقرب وطريد لا يسأل عما يفعل ولا راد لمقتضى إرادته وصلوات الله وسلامه على سيد أنبيائه وأولى أوليائه وصفي صفوته محمد المنتخل من خلاصة المجد الأثيل ونبيه المنتخب من أعلى سنام الفخر الأصيل وذروته وعلى شريف ذريته الطاهرة وأفنان فنون دوحته الفاخرة وجميع أهل بيته المعظم وعترته أما بعد فإن الله عز وجل قد أختار لرسوله أصحاباً فجعلهم خير الأنام واصطفى من أصحابه جملة العشرة الكرام فرضيهم لعشرته وموالاته وفضلهم بالانضمام إليه مدة حياته وأنعم عليهم بما أولاهم من أصناف موجبات كرمه وأسعدهم بما سلف في سابق قدم وأشقى قوماً بارتكاب في الخوض في أمرهم فيما لا يعنيهم واجترائهم على الآحاد على التنقص بهم ووصفهم بما ليس فيهم حتى لقد فسقوا بظنهم على من علم تعديله وغضوا بجهلهم على من رضي الله عنهم ورسوله فجعلوهم غرضاً لبهتانهم العظيم وذموهم وقد مدحتهم آيات القرآن الكريم قال الله الملك الجليل: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" إلى ذلك "مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل" أتراهم خرجوا من هذا الوصف أو خرج عنهم أو اختص به النائي دون القريب والجليس منهم أم هل يمكن منهم أن يدعى أن العشرة لم يشتدوا على الكفار وينصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقال إن واحداً منهم لم يكن معه فغير مسلم إن أريد معية الإسلام والإيمان فهم إليها من أول مجيب أو معية الالتفات والاحتفاف فلهم منها أوفر نصيب أو يقال بأنهم زايلوا ذلك الوصف بعد وفاته وارتكبوا ما حكم لهم بخلافه من مخالفاته فالنص يدفع ذلك ويرده ويمنع ذا الدين من اعتقاده ويصده قال الله تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم" أترى خفي عن علمه ما يزعمونه من فسقهم أو ردتهم وقال: "والسابقون الأولون" من المهاجرين والأنصار إلى قوله: "رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار" أتراه أعدها لهم مع علمه بما يوجب منعهم منها وأي فائدة الإعلام بها مع ثبوت صرفهم عنها معاذ الله أن يكون الأمر كذلك وحاشا لله أن يختار لرسوله صحبة أولئك وما نقموا منهم مما يوهم ظاهره لو لم يرد ما يعارضه لوجب اعتقاد أحسن الوجوه وحملها عليه فكيف والأدلة الظاهرة تؤكد ذلك وتقضي بالمصير إليه توفيقا بين مقطوع الكتاب ومظنون السنة وتصديقاً لشهادته صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة كيف وقد علم صلى الله عليه وسلم جملة ما وقع منهم ونبه على كثير مما جرى بينهم وصدر عنهم حتى صرح بالنهي عن سبهم وحرص على ترك الخوض فيهم وأمر بحبهم فما للجاهل الغبي ولهم وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيغفر لهم وما للمتعامي وتأويل ما ورد في شأنهم وتحريفه بعد قوله صلى الله عليه وسلم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه فالحمد لله أن عصمنا من هذه الورطة العظيمة ووفقنا بحب جملتهم إلى سلوك الطريقة المستقيمة ثم الحمد لله أن ألهم جمع هذا المؤلف في مناقبهم والإعلام بما وجب من التعريف بشرف قدرهم وعلو مراتبهم وتدوين ما روي عن عظيم مآثرهم وإيراد طرف مما ذكر من عميم مفاخرهم من كتب ذوات عدد على وجه الاختصار وحذف السند ليسهل على الناظر تناوله ويقرب على الطالب فيه ما يحاوله عازياً كل حديث إلى الكتاب المخرج منه منبهاً على مؤلفه أو من أخذ عنه تقصياً عن عهدة الارتياب في النقل واعتماداً على أولي السابقة من أهل العلم والفضل مبتدئاً بذكر ما شملهم على طريقة التضمن ثم بما اختص بهم على وجه المطابقة والتعين ثم بما ورد فيما دون العشرة وإن أنضم إليهم من ليس منهم ثم بما اختص بالأربعة الخلفاء ولم يخرج عنهم ثم بما زاد عن الأربعة على واحد ثم بما ورد من فضل كل واحد واحد وأدرجت جملة ذلك في قسمين الأول في مناقب الأعداد الثاني في مناقب الآحاد وكل قسم مبوب على ما اقتضاه من التبويب مرتب على ما وجبت مراعاته من الترتيب.

 والله أسأل أن يجعل وسيلة إلى غفرانه وذريعة إلى إدراك رضوانه ويخلص المقصد فيه لوجهه الكريم ويجعله قائداً إلى جنات النعيم بمنه وكرمه وها أنا مثبت أسماء الأصول المخرج منها والمأخوذ عنها من مؤلف كبير أو جزء صغير وأكثرها مروي لنا بل كلها إلا ما تركت الخط بالحمرة عليه وإنما لم نسندها للمعنى الذي أشرنا إليه وهي مسند الإمام أحمد بن حنبل والسنن الكبرى للنسائي مما نقله عنه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الموافقات ورزين في تجريده الصحاح ومسند البزار مما نقله عبد الحق في أحكامه والبخاري ومسلم والموطأ والترمذي ومسند الشافعي وسننه ومسند القاسم بن سلام البغدادي المشتمل على الغريب وسنن أبي داود وسنن الدارقطني وسنن سعيد بن منصور وسنن ابن ماجه مما نقله عنه الحافظ الدمشقي في الموافقات والتقاسيم والأنواع لأبن حبان وكتاب الموافقات للحافظ أبي القاسم علي بن عساكر الدمشقي وتجريد الصحاح لرزين والجمع بين الصحيحين لحميدي والمستدرك عليهما للحاكم والمستدرك عليهما لأبي الهروي وكتاب المصابيح للبغوي وشرف النبوة لأبي سعيد عبد الملك بن عثمان الواعظ وفوائد تمام الرازي ونزهة الأبصار لأبي عبد الله محمد بن محمد الفضائلي الرازي ولطائف الأنوار للقلعي وكتاب مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأحمد بن حنبل وكتاب مناقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق لأبي عبد الله محمد بن مسدي وكتاب مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكتاب الآحاد والمثاني في فضائل الصحابة لأبي بكر أحمد بن أبى عاصم الضحاك ابن مخلد وكتاب الشمائل للترمذي وكتاب فضائل الصحابة لخيثمة بن سليمان الأطرابلسي وكتاب منهاج أهل الإصابة في محبة الصحابة لابن الجوزي وكتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة وما رواه كل فريق في الآخر للحافظ أبي سعيد إسماعيل بن علي بن الحسن السمان ومعجم الصحابة لأبي القاسم عبد الله محمد بن محمد بن عبد العزيز البغوي ومعجم أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ومعجم الحافظ أبي بكر إسماعيل الإسماعيلي ومعجم الحافظ أبي القاسم الدمشقي ومعجم النسوان ومعجم البلدان كلاهما له ومعجم الحافظ أبي يعلى أحمد بن المثني الواعظ ومعجم الحافظ أبي الخير محمد ابن أحمد الغساني وسيرة ابن إسحاق وكتاب المعارف لابن قتيبة وكتاب الأحداث لأبي عبيد القاسم بن سلام وكتاب الردة والفتوح لأبي الحسن علي بن محمد القرشي والاستيعاب لأبي عمر بن عبد البر وصفة الصفوة لأبي الفرج بن الجوزي وتاريخ الخطيب مما خرجه عنه ابن رستم في كتابه الآتي ذكره وفتوح الشام لأبي حذيفة إسحاق بن بشر القرشي وسيره الملا عمر بن محمد بن الخضر وكتاب المنتقى من كتاب المقامات لأبي شجاع شيروية بن شهردار بنت شيروية الديلمي الهمداني ونزهة الناظر لأبي شجاع زاهر بن رستم الأصفهاني ومن كتب التفسير الوسيطالحسن علي بن محمد القرشي والاستيعاب لأبي عمر بن عبد البر وصفة الصفوة لأبي الفرج بن الجوزي وتاريخ الخطيب مما خرجه عنه ابن رستم في كتابه الآتي ذكره وفتوح الشام لأبي حذيفة إسحاق بن بشر القرشي وسيره الملا عمر بن محمد بن الخضر وكتاب المنتقى من كتاب المقامات لأبي شجاع شيروية بن شهردار بنت شيروية الديلمي الهمداني ونزهة الناظر لأبي شجاع زاهر بن رستم الأصفهاني ومن كتب التفسير الوسيط للواحدي وأسباب النزول له ونكت المساوري وأسباب النزول لأبي الفرج بن الجوهري ومن كتب الشروح شرح المشكل في الصحيحين لأبي الفرج بن الموردي وغريب النهاية ونهاية الغريب للمحدث ابن الأثير الموصلي وصحاح الجوهري. ذكر الأجزاء الخلعيات لأبي الحسن علي بن الحسن بن الحسين الخلعي والثقفيات للحافظ أبي عبد الله القاسم بن الفضل بن أحمد الثقفي الأصفهاني والأجزاء المعروفة بالغيلانيات من حديث أبي بكر عبد الله بن محمد ابن إبراهيم الشافعي رواية أبي طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان وأجزاء من الجعديات لأبي الحسن علي بن الجعد والسلفيات للحافظ أبي طاهر أحمد بن سلفة السلفي من انتخابه من أصول بن المشرف الإنماطي ومن أصول ابن الطيوري وغيرهما ومشيخة البغدادية وغيرها وجملتها تزيد على مائة جزء وأجزاء من حديث أبي الحسن الدراقطني وكثير من المحامليات للحافظ أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي وأجزاء تتضمن مشيخة محمد بن أحمد الرازي تخريج الحافظ السلفي وأجزاء من حديث الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي وأجزاء من حديث أبي الحسن علي بن عمر بن الحسن الحربي السكري وأجزاء من حديث أبي عمرو وعثمان بن السماك وأجزاء من المخلصيات من حديث أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس المخلص الذهبي وأجزاء من أمالي الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي وأجزاء من حديث أبي الحسن علي بن حرب الطائي وجزآن من أمالي نظام الملك أبي علي الحسين بن علي بن إسحاق وأجزاء من أمالي الحافظ أبي عثمان إسماعيل بن محمد بن أحمد بن جعفر بن ملة الأصفهاني وأجزاء من أمالي الحافظ أبي القاسم علي بن عساكر الدمشقي وأجزاء من حديث أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل وأجزاء من أمالي أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن سليمان بن حبابة البزار وأجزاء من أمالي القاضي أبي عبد الله الحسين بن هارون الضبي وأجزاء من فوائد أبي أحمد حمزة بن محمد بن العباس بن الفضل بن الحارث وأجزاء من حديث الحافظ الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الأربعينات والأربعون الطوال للحافظ أبي القاسم بن عساكر الدمشقي والأربعون البلدانية له والأربعون في فضائل العباس للحافظ أبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي وأربعون في فضائل عثمان وأربعون في فضائل علي بن أبي طالب كلاهما للإمام رضي الدين أبي الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف القزويني الحاكمي والأربعون المترجمة بالماء المعين لإبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي الأربعون للحافظ أبي عبد الله الثقفي الأصفهاني أجزاء مفردة جزء مترجم بكتاب السنة تأليف أبي الحسين محمد بن حامد بن السري وجزء مترجم بكتاب العلل لأبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الضبي جزء مترجم بكتاب التحفة لأبي عقيل محمد بن علي بن محمد الصابوني المحمودي محاسبة النفس مجاني الدعاء وكتاب اليقين ومن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حرص الأولين على الصلاة

كتبها المحتسب زاوي ، في 4 فبراير 2012 الساعة: 20:58 م

  

·         حرص الأولين على الصلاة

وكان السلف الصالح يستحبون الأناة في كل شيء ، إلا في الصلاة ، فقد قيل للأحنف بن قيس رضي الله عنه : ( إن فيك أناة شديدة ) فقال : ( قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها ) [1]

وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له : ( الصَفّي ) ، لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة [2].

و مثله : إبراهيم بن ميمون المروزي ، أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبي رباح ، وكانت مهنته الصياغة و طرق الذهب و الفضة . قالوا : ( كان فقيهاً فاضلاً ، من الآمَّارين بالمعروف . وقال ابن معين : كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردها ) [3].

وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط وقد أمَّ أهل حمص ستين سنة كاملة ، فقال : " ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله " [4]

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الانوار المحمدية في شمائل النبيء المختار

كتبها المحتسب زاوي ، في 1 فبراير 2012 الساعة: 06:50 ص

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin-top:0cm;
mso-para-margin-right:0cm;
mso-para-margin-bottom:10.0pt;
mso-para-margin-left:0cm;
line-height:115%;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-fareast-font-family:”Times New Roman”;
mso-fareast-theme-font:minor-fareast;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;
mso-bidi-font-family:Arial;
mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}


 

تأليف

محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي

432- 516هـ

 

حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه

 العلامة الشيخ إبراهيم اليعقوبي

 

دار الضياء

للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت

1409هـ -1989م
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين قال الشيخ الإمام الأجل السيد الزاهد شيخ الإسلام محيي السنة ناصر الحديث ركن الإسلام قدوة الأمة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي رضي الله تعالى عنه وعن والديه وأثابه وإياهم الجنة .

1- باب اختيار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في السابقة

(1) - قال أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا بشر بن بكر عن الأوزاعي حدثني شداد أبو عمار عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم . صحيح

(2) - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن جعفر الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت منه . صحيح

(3) - أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة قال كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل . صحيح

(4) - حدثنا السيد أبو القاسم علي بن موسى الموسوي حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن العباس البلخي أخبرنا أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي أخبرنا محمد بن المكي أخبرنا إسحق بن إبراهيم حدثنا ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأحدثكم بأول أمري دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام .

(5) - أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري السرخسي أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل أخبرنا محمد بن عبد الله الصفار حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب حدثنا زاهر بن نوح حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا يوسف بن محمد المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله بعثني بتمام محاسن الأخلاق وكمال محاسن الأفعال .

2 - باب ما خص به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الآيات والكرامات

(6) - أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن أحمد المخلدي أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحق بن إبراهيم الثقفي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة . صحيح

(7) - أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي الهروي أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله بن نعيم السرخسي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا محمد بن سنام حدثنا هشيم حدثنا سيار حدثنا يزيد الفقير أخبرنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة . صحيح

(8) - أخبرا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري . حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال فضلت على الأنبياء بست أوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى كافة الخلق وختم بي النبيون . صحيح

(9) - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي . أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي نبا محمد بن يحيى حدثنا يزيد بن هرون حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتح خزائن الأرض فتلت في يدي . صحيح

(10) - أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنبأنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي أنبأنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي أنبا أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج أنبا قتيبة بن سعيد ثنا حماد هو ابن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها إلى ما زوي لي منها وأعطيتك الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيت لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا . صحيح

(11) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف أنبا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة بن سعيد ثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها .

(12) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف أنبا محمد بن إسماعيل أنبا عبد العزيز بن عبد الله ثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي قال أبو هريرة فقد ذهب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنتم تلفثونها أو ترغثونها أو كلمة تشبهها . صحيح

(13) - حدثنا أبو طاهر الفارسي أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني أنبا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ أنبا قاسم المطرز أنبا أحمد بن محمد بن ماهان حدثني أبي أنبا سليمان بن خالد أنبا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في كفي فقيل لي هذا لك مع مالك عند الله لا ينقصك الله منه شيئا فذهب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين ذهب وتركهم في هذه الدنيا يأكلون من خبيصها من أصفره وأخضره وأحمره وإنما هو شيء واحد ولكن غيرتم ألوانها التماس الشهوات .

(14) - حدثنا أبو طاهر أنبا محمد بن إبراهيم أنبا عبد الله بن محمد بن جعفر أنبا ابن أبي عاصم أنبا محمد بن علي بن شقيق أنبا أبي عن حسين بن واقد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أوتيت بمفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه السلام .

(15) - وحدثنا أبو طاهر أنبا محمد بن إبراهيم أنبا عبد الله بن محمد بن جعفر أنبا إبراهيم بن محمد بن الحسن أنبا سلمة بن الخليل الكلاعي أنبا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحدث أن الله أرسل إلى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ملكا من الملائكة معه جبريل فقال الملك يا رسول الله إن الله عز وجل يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا نبيا فالتفت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له فأشار جبريل بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا بل عبدا نبيا فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لحق بالله عز وجل .

(16) - أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أنبا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز أنبا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أنبا إسحق بن إبراهيم الدبري أنبا عبد الرزاق أنبا معمر عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله عز وجل أمرني أن أعلمكم مما جهلتم مما علمني يومي هذا وإنه قال إن كل مال نحلته عبادي فهو لهم حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وأن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وأن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت يا رب إنهم إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة فقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وقد أنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه في المنام واليقظة فاغزهم نغزك وأنفق ننفق عليك وابعث جيشا نمدك بخمسة أمثالهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك ثم قال أهل الجنة ثلاثة إمام مقسط ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ورجل غني عفيف متصدق وأهل النار خمسة الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون بذلك أهلا ولا مالا ورجل إن أصبح أصبح يخادعك عن أهلك ومالك ورجل لا يخفى له طمع وإن دق إلا ذهب به والشنظير الفاحش وذكر البخل والكذب . صحيح

3- باب بدء وحيه صلى الله تعالى عليه وسلم وصفته في تلك الحالة

(17) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف أنبا محمد بن إسماعيل أنبا يحيى بن بكير أنبا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها قالت أول ما بدي به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال  اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم  فرجع بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أومخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي .

(18) - قال وأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف أنبا محمد بن إسماعيل قال وحدثني عبد الله بن محمد أنبا عبد الرزاق أنبا معمر قال الزهري فذكر الحديث بهذا الإسناد وزاد ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا بمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل مثل ذلك .

(19) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف أنبا محمد بن إسماعيل نبا عبد الله بن يوسف نبا الليث عن عقيل قال ابن شهاب سمعت أبا سلمة قال أخبرني جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني فزملوني فأنزل الله  يا أيها المدثر قم فأنذر  إلى قوله  فاهجر  ثم حمي الوحي وتتابع . صحيح

(20) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرزي أنبا زاهر بن أحمد السرخسي أنبا أبو إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنبا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رضي الله تعالى عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فينفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشاتي الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا . صحيح

(21) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا النعيمي أنبا محمد بن يوسف الفربري نبا محمد بن إسماعيل نبا قتيبة بن سعيد نبا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعالج عن التنزيل شدة كان يحرك شفتيه فأنزل الله تعالى  لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه  قال جمعه في صدرك ثم تقرؤه  فإذا قرأناه فاتبع قرآنه  قال فاستمع له وأنصت ثم إن علينا أن تقرأه قال فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتاه جبرئيل استمع فإذا انطلق جبرئيل قرأه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما أقرأه . صحيح

(22) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى الجلودي نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج نبا محمد بن بشار نبا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي نكس عليه رأسه ونكس أصحابه رؤسهم فلما أثلي عنه رفع رأسه . صحيح

(23) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج أنبا محمد بن موسى أنبا عبد الأعلى نبا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد وجهه قال فأنزل الله عليه ذات يوم فلقي كذلك فلما سري عنه قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب والبكر بالبكر الثيب جلد مائة ثم رجما بالحجار والبكر جلد مائة ثم نفي سنة . صحيح

(24) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل حدثني يعقوب بن إبراهيم نبا إسماعيل نبا ابن جريج أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى بن أمية كان يقول ليتني أرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين ينزل عليه قال فبينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ بطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب فأشار عمر إلى يعلى بيده أن تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سري عنه فقال أين الذي سألني عن العمرة آنفا فالتمس الرجل فأتي به فقال أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما يصنع في حجك . صحيح

(25) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف أنبا محمد بن إسماعيل أنبا عبد العزيز بن عبد الله أنبا إبراهيم بن سعد الزهري حدثني صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد فأخبرنا أن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أخبره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أملى عليه  لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله  قال فجاءه ابن أمم مكتوم وهو يملها علي فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله  غير أولي الضرر . صحيح

4- باب صفة دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم المشركين وصبره على آذاهم

(26) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا يوسف بن موسى نبا أبو أسامة نبا الأعمش نبا عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزلت  وأنذر عشيرتك الأقربين  ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى صعد الصفا وهتف يا صباحاه فقالوا من هذا فاجتمعوا إليه فقال أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من صفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد قال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت  تبت يدا أبي لهب  وقد تب هكذا قرأها الأعمش يومئذ . صحيح

(27) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج نبا أبو كامل الجحدري ثنا يزيد يعني ابن زريع نبا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا لما نزلت  وأنذر عشيرتك الأقربين  انطلق نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى رضمة من جبل فعلا أعلاها حجرا ثم نادى يا بني عبد مناف إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه . صحيح

(28) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل أنبا أبو اليمان أنبا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن قالا إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين أنزل الله  وأنذر عشيرتك الأقربين  قال يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا . صحيح

(29) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف أنبا محمد بن إسماعيل أنبا أحمد بن إسحق نبا عبيد الله بن موسى نبا إسرائيل عن أبي إسحق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة وجميع قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم ألا ينظرون إلى هذا المرأ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه فانبعث أشقاهم فلما سجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وضعه بين كتفيه وثبت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ساجدا فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية فأقبلت تسعى وثبت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ساجدا حتى ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة قال اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش ثم سمى اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد قال عبد الله فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأتبع أصحاب القليب لعنة . صحيح

(30) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا علي بن عبد الله نبا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال  أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم . صحيح

(31) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج نبا عبيد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى القيسي قالا نبا المعتمر عن أبيه حدثني نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب قال فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهول وأجنحة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا . صحيح

(32) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج ثني أبو طاهر عمرو بن سرح وحرملة بن يحيى وعمرو بن سواد العامري وألفاظهم متقاربة قالوا نبا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبرئيل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال فناداني ملك الجبال وسلم ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا . صحيح

5- باب علامات نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم

(33) - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أنبا أبو عمرو بكر بن محمد المزني ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة نبا أبو علي الحسين بن الفضل البجلي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طشت من ذهب بماء زمزم ثم لأمه وأعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون قال أنس فكنت أرى أثر المخيط في صدره . صحيح

(34) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي نبا السيد أبو الحسن محمد بن الحسن العلوي أنبا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري نبا محمد بن إسماعيل الصايغ نبا يحيى بن أبي بكير نبا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن . صحيح

(35) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنبا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصائغ أنبا أبو الحسن علي بن إسحق بن خوشنام الرقاق الرازي بنا محمد بن أيوب بن ضريس النجلي الرازي ثنا محمد بن الصباح ثنا الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد أبي يزيد عن علي رضي الله تعالى عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة فرحنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر فلم يمر بشجر ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله .

(36) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل ثنا إبراهيم بن حمزة نبا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أخبره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه دحية الكلبي وأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال حين قرأه التمسوا لي ههنا أحدا من قومه لأسئلهم عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارا في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين كفار قريش قال أبو سفيان فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج وإذا حوله عظماء الروم فقال لترجمانه سلهم أيهم أقرب نسبا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم إليه نسبا قال ما قرابة ما بينك وبينه فقلت هو ابن عم وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري فقال قيصر أدنوه فأمر بأصحابي فجعلوا خلف ظهري عند كتفي ثم قال لترجمانه قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل عن الذي يزعم أنه نبي فإن كذب فكذبوه قال أبو سفيان والله لولا الحياء يومئذ من أن تأثر أصحابي عني الكذب لحدثته عني حين سألني عنه ولكن استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقت ثم قال لترجمانه قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول أحد منكم قبله قلت لا قال هل كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل من آبائه من ملك قلت لا قال فأشراف الناس يتبعونه أو ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال فيزيدون أو ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن الآن منه في مدة نحن نخاف أن يغدر قال أبو سفيان ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به لا أخاف أن يؤثر عني غيرها قال فهل قاتلتموه وقاتلكم قلت نعم قال فكيف كان حربه وحربكم قلت كانت دولا وسجالا تدال علينا المرة وتدال عليه الأخرى قال فماذا يأمركم به قلت يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وينهى عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة فقال لترجمانه حين قلت ذلك له قل له إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فزعمت أن لا فقلت لو كان أحد منكم قال القول قبله قلت رجل يأتم بقول قد قيل قبله وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك هل كان من آبائه من ملك فزعمت أن لا فقلت لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه وسألتك أشراف الناس يتبعونه أو ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم فزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه يكون دولا يدال عليكم المرة ويدالون عليه الأخرى وكذلك الرسل تبتلى ويكون لها العاقبة وسألتك بماذا يأمركم فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج ولكن أظن أنه منكم وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاه ولو كنت عنده لغسلت قدميه قال أبو سفيان ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقرئ فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بداعية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فعليك إثم الأريسيين و  يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون  قال أبو سفيان فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم وكثر لغطهم فلا أدري ماذا قالوا وأمر بنا فأخرجنا فلما أن خرجت مع أصحابي وخلوت بهم قلت لهم لقد أمر أمر ابن أبي كبشة هذا ملك بني الأصفر يخافه قال أبو سفيان والله ما زلت ذليلا مستيقنا بأن أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره . صحيح

(37) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثني يحيى بن سليمان حدثني ابن وهب حدثني عمر وهو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال ما سمعت عمر لشيء قط يقول إني لأظنه كذا إلا كما كان يظن بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال لقد أخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم علي الرجل فدعي له فقال له ذلك فقال ما رأيت كاليوم أستقبل به رجلا مسلما قال فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال كنت كاهنهم في الجاهلية قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك قال بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع قالت ألم تر الجن وإبلاسها وياسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال عمر صدقت بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فدبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا أنت فوثب القوم قلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا ثم نادى يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي . صحيح

(38) - أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أنبا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز أنبا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أنبا إسحق بن إبراهيم الدبري نبا عبد الرزاق أنبا معمر عن أشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه قال فصعد الذئب على تل واستقر وقال عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته ثم انتزعته مني فقال الرجل بالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم فقال الذئب أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين جبلين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم قال فكان الرجل يهوديا فجاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره وأسلم فصدقه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنها أمارات بين يدي الساعة قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده .

(39) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا مسدد نبا أبو عوانة عن أبي يسر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال انطلق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين فقالوا مالكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بنخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا  إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا  فأنزل الله على نبيه  قل أوحي إلي  وإنما أوحي إليه قول الجن . صحيح

(40) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى الجلودي أنبا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنبا مسلم بن الحجاج أنبا محمد بن مثنى أنبا عبد الأعلى عن داود عن عامر قال سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الجن قال فقال علقمة أنا سألت ابن مسعود فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الجن قال لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال فقلنا يا رسول الله فقدناك وطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم قال أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم . صحيح

(41) - قال مسلم نبا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود بهذا الإسناد إلى قوله وآثار نيرانهم قال الشعبي وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول الشعبي .

(42) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا عبد الله بن سعيد هو أبو قدامة حدثنا أبو أسامة نبا مسعر عن معن قال قال سمعت أبي قال سألت مسروقا من آذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال حدثني أبوك يعني عبد الله بن مسعود أنه آذنت بهم شجرة . صحيح

(43) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا موسى بن إسماعيل نبا عمرو بن يحيى بن سعيد أخبرني جدي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان يحمل مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته فبينما هو يتبعه بها فقال من هذا فقال أنا أبو هريرة فقال ابغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت ما بال العظم والروثة قال هما من طعام الجن وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما . صحيح

(44) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نا عبد الله بن عبد الوهاب نبا بشر بن الفضل نبا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أهل مالك سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما .

(45) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا قتيبة نبا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال دخلنا على عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال سأحدثكم عن الدخان إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دعا قريشا إلى الإسلام فأبطؤا عليه فقال اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة فحصت كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانا من الجوع قال الله تعالى  فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم  قال فدعوا  ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون  أفيكشف العذاب يوم القيامة قال وكشف ثم عادوا في كفرهم فأخذهم الله يوم بدر قال الله تعالى  يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون . صحيح

6- باب في معراجه صلى الله عليه وسلم

(46) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبا أحمد بن النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا هدبة بن خالد نبا همام بن يحيى نبا قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به بينما أنا نائم في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبرئيل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا قال جبرئيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبرئيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبرئيل قيل ومن معك قال محمد قال وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أوقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبرئيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هو هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذان يا جبرئيل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي . صحيح

(47) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنبا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنبا محمد بن عيسى الجلودي نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج نبا شيبان بن فروخ نبا حماد بن سلمة نبا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمال ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء قال ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة قال ثم عرج بنا إلى السماء وساق مثل معناه وقال فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير وقال في السماء الثالثة فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير ولم يذكر بكاء موسى وقال في السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها وأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسا فقال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فسله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك وسله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه . صحيح

(48) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنبا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نبا يحيى بن بكير نبا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فرج عني سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبرئيل لخادم السماء افتح قال من هذا قال جبرئيل قال هل معك أحد قال نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم فقال أرسل إليه قال نعم فلما فتح علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبريل من هذا قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح فقال لها خازنها مثل ما قال الأول قال أنس فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت كيف منازلهم قال ابن شهاب فأخبرني ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام قال ابن حزم وأنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم وفرض الله على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال ما فرض الله لك على أمتك قلت فرض خمسين صلاة قال فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق فراجعني فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فقلت وضع شطرها فقال راجع ربك فإن أمتك لا تطيق فرجعت فراجعت فوضع شطرها فرجعت إليه فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته فقال هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي فرجعت إلى موسى فقال راجع ربك فقلت استحييت من ربي ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى السدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها مسك . صحيح ورواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن يونس وقال فإذا هي جناب اللؤلؤ .

(49) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نبا أبو أسامة حدثني مالك بن مغول ح قال مسلم ونا ابن نمير نا أبي نا مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة وهو ابن مصرف عن مرة عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهى ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها وقال  إذ يغشى السدرة ما يغشى  قال فراش من ذهب قال فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا أعطي الصلوات وأعطي خواتم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات . صحيح

(50) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم نبا عبد الله بن معاد العنبري نبا أبي نبا شعبة عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال  لقد رآى من آيات ربه الكبرى  قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح . صحيح

(51) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل نبا حفص بن عمر نا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله تعالى عنه  لقد رأى من آيات ربه الكبرى  قال رأى رفرفا خضرا ستر أفق السماء . صحيح

(52) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم نا هداب بن خالد نا حماد بن سلمة عن ثابت البناني وسليمان التيمي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره . صحيح

(53) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب نا حجين بن المثنى نا عبد العزيز وهو ابن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه فجاءت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام . صحيح

(54) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل حدثني أحمد بن صالح نبا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أبو سلمة سمعت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لما كذبني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه . صحيح

(55) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبو الحسن الجراني نا زهير بن معاوية نا أبو إسحق عن البراء بن عازب يقول جاء أبو بكر إلى أبي في منزله فاشترى منه رحلا فقال لعازب ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي فقال لي أي احمله فحملته وخرج أبي معه ينتقد ثمنه فقال له أبي يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد فرفعت لنا صخرة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه وبسطت عليه فروة فقالت نم يا رسول الله وأنا أنفض ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا فقلت لمن أنت يا غلام قال لرجل من أهل المدينة أو مكة قلت أفي غنمك لبن قال نعم قلت أفتحلب قال نعم فأخذ شاة فقلت انفض الضرع من التراب والشعر والقذى فحلب في قعب كثبة من لبن ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي فيها يشرب ويتوضأ فأتيت النبي صلى الله عليه ويلم فكرهت أن أوقظه فوافقته حتى استيقظ فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت اشرب يا رسول الله قال فشرب حتى رضيت ثم قال ألم يأن للرحيل قلت بلى قال فارتحلنا بعد ما مالت الشمس واتبعنا سراقة بن مالك فقلت أتينا يا رسول الله فقال لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها أرى في جلد من الأرض شك زهير فقال إني أريكما قد دعوتما علي فادعوا لي فالله لكما أن أرد عنكما الطلب فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا فجعل لا يلقى أحدا إلا قال كفيتم ما هنا فلا يلقى أحدا إلا رده قال ووفى لنا . صحيح

(56) - حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن أبي نصر أنا خيثمة بن سليمان نا أبو قلابة الرقاشي نبا حبان بن هلال وعفان بن مسلم قالا نا همام بن يحيى نا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حدثهم قال نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤسنا ونحن في الغار فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما .

(57) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكر ثنا حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يحترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أسألك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي فما أول أشراط الساعة وما أول طعام أهل الجنة وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه قال أخبرني بهن جبريل آنفا قال جبريل قال نعم قال ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية  من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله  أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة نزعت قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني فجاءت اليهود فقال أي رجل عبد الله فيكم قالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا قال أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام قالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا فانتقصوه قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله . صحيح

(58) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان نا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني نا حميد بن زنجويه نا النضر بن شميل نا عوف هو ابن أبي جميلة عن زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس وقيل قد قدم النبي صلى الله عليه وسلم وجئت فيمن جاء قال فلما بينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول ما قال يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام .

(59) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا مسلم بن الحجاج حدثني الحسن بن علي الحلواني نا أبو توبة وهو الربيع بن نافع نا معاوية يعني ابن سلام عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام قال حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال جئت أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس  يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الظلمات دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين تسمى سلسبيل قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى آتاني الله به . صحيح

(60) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نبا محمد بن إسماعيل نبا إسحق عن جرير عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال يا رسول الله ما الإيمان قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر قال يا رسول الله ما الإسلام قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال يا رسول الله ما الإحسان قال الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال يا رسول الله متى الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها إذا ولدت المرأة ربتها فذلك من أشراطها وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذلك من أشراطها وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله  إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام  إلى قوله  إن الله عليم خبير  ثم انصرف الرجل فقال ردوا علي فأخذوا ليردوا فلم يروا شيئا فقال هذا جبرئيل جاء لعلم الناس دينهم . صحيح

(61) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد .

(62) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا زكريا بن يحيى نا عبد الله بن نمير نبا هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبرئيل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال قد وضعت السلاح والله ما وضعته اخرج إليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم فأين فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكمه فرد الحكم إلى سعد.
(63) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا موسى نا جرير بن حازم عن حميد بن هلال عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل حتى سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة .

7- باب ما خص به من الكرامات يوم القيامة

(64) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني الحكم بن موسى أنا هقل يعني ابن زياد عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني عبد الله بن فروخ قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع . صحيح

(65) - وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن يوسف نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب محمد بن العلاء نا معاوية بن هشام عن سفيان عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة . صحيح

(66) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني عمرو بن محمد الناقد وزهير بن حرب قالا نا هاشم بن القاسم نا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمد فيقول بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك . صحيح

(67) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي نا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن باهوية الأصبهاني نا أبو بكر محمد بن الحسين القطان نا محمد بن حيويه أنا سعيد بن سليمان نا منصور بن أبي الأسود نا الليث عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أولهم خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأما مستشفهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور . غريب

(68) - أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان نا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي نا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال نا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع فاليهود غدا والنصارى بعد غد . صحيح

(69) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر أنا محمد بن عيسى الجلودي نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا قتيبة بن سعيد نا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل معناه وقال نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة . صحيح

(70) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا منصور محمد بن محمد بن سمعان نا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني نا حميد بن زنجويه نا عبد الله بن يزيد المقرئ نا حيوة عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا كمثل ما يقول ثم صلوا علي فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأنا أرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة . صحيح

(71) - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري نا حاجب بن أحمد الطوسي نا عبد الرحيم بن منيب نا يعلى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني أخبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا . صحيح

(72) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نبا إبراهيم بن محمد بن سفيان نبا مسلم بن الحجاج نبا يونس بن عبد الأعلى الصدفي نبا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن العمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم  رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني  الآية وقال عيسى  إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم  فرفع يديه فقال اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيه فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال والله أعلم فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤوك . صحيح

(73) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل حدثني محمد بن مقاتل أنا عبد الله أنا أبو حيان التيمي عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال أنا سيد الناس يوم القيامة فهل تدرون مما ذلك يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنوا الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله إنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد كذبت ثلاث كذبات فذكرهن أبو حيان في الحديث نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد فيأتون محمدا فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامد وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير وكما بين مكة وبصرى . صحيح

(74) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي قال اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فقال يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوا يسألونك عن حديث الشفاعة فقال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها لكن عليكم بمحمد فيأتوني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعوده فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل . قال معبد فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة بما حدثناه أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال هيه فحدثناه بالحديث فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة فلا يدرى أنسي أم كره أن تتكلوا حدثني كما حدثكم ثم قال ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله . صحيح

(75) - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني نا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر نا حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري بياضه بياض اللبن وأحلى من العسل وحافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي فإذا الثرى مسك أذفر فقلت لجبريل ما هذا قال الكوثر الذي أعطاك الله . صحيح

(76) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا سعيد بن أبي مريم نا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من يشرب فلا يظمأ أبدا . صحيح

(77) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا . صحيح

(78) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج نا سويد بن سعيد عن مروان الفزاري عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن حوضي أبعد من أيلة من عدن لهو أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل ولآنيته أكثر من عدد النجوم وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه قالوا يا رسول الله أتعرفنا يومئذ قال نعم لكم سيماء ليست لأحد من الأمم تردون علي غراً محجلين من أثر الوضوء . صحيح

(79) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرزي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي . صحيح

(80) - أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن بويه الزراد أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب نا عيسى بن أحمد العسقلاني أنا يزيد بن هارون أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن منبري هذا على ترعة من ترع الجنة .

(81) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا مسدد نا حصين بن نمير ثنا حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فرجوت أن يكون أمتي فقيل هذا موسى في قومه ثم قيل لي انظر فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل لي انظر وهكذا فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال أمنهم أنا يا رسول الله قال نعم فقام آخر فقال أمنهم أنا قال سبقك بها عكاشة . صحيح

(82) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن عبد الله بن نمير نا أبي نا إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جده عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا فقال لي يا أبي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثانية اقرأه على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام . صحيح

(83) - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني نا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقرأ عليه أبي بن كعب أم القرآن فقال والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت .

(84) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نبا علي بن عبد الله نا يحيى بن سعيد نا شعبة حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله تعالى عنه قال كنت أصلي فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه قلت يا رسول الله إني كنت أصلي فقال ألم يقل الله  استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم  ثم قال ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمك أعظم سورة من القرآن قال  الحمد لله رب العالمين  هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته . صحيح

(85) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان النيسابوري نا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني نا حميد بن زنجويه نا النضر بن شميل نا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أنه حدثه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شافعا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبها اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة . صحيح

(86) - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المعروف بأبي بكر أبي الهيثم أنبا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسن الحدادي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة أنبا أبو زيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحق بن إبراهيم الحنظلي نبا يحيى بن آدم نا أبو الأحوص عن عمار بن زريق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال هذا باب فتح من السماء ما فتح قط فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبشر بنورين لم يؤتها نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته . صحيح

8- باب آخر من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم في ظهور صدق ما أخبر به عن الغيب

(87) - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار نا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي نا أبو حذيفة نا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال لقد قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره عليه علمه من علمه وجهله من جهله وإني قد أرى الشيء قد كنت نسيه فأراه فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فيراه فعرفه . صحيح

(88) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا مسدد نبا يحيى عن الأعمش حدثني شقيق عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال كنا جلوسا عند عمر فقال أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة قلت أنا كما قاله قال إنك عليه أو عليها لحري قلت فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي قال ليس هذا أريد ولكن الفتنة الذي تموج كما يموج البحر قال ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينه لبابا مغلقا قال أيكسر أم يفتح قال يكسر قال إذا لا يغلق أبدا فلو كان عمر يعلم الباب قال نعم كما أن دون الغد الليلة إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط فهبنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقا فسأله فقال الباب عمر . صحيح

(89) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا أبو العباس الأصم نا بكر بن سهل الدمياطي نا عبد الله بن يوسف نا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن الحسن عن ضبة بن محصن عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم لكن من رضي وبايع قالوا أفلا نقتلهم قال لا ما صلوا لا ما صلوا . صحيح

(90) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن الحكم أنا النضر أنا إسرائيل أنا سعيد الطائي نا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال يا عدي هل رأيت الحيرة قلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار طي الذي قد سعروا البلاد ولئن طالت بك حياة ليفتحن كنوز كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملأ كفله من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فيقولن ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك فيقول بلى فيقول ألم أعطك مالا وأفضل عليك فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم قال عدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد بشق تمرة فبكلمة طيبة قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم الحياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملأ كفه . صحيح

(91) - أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان نا أحمد بن يوسف السلمي نا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلك كسرى ثم لا كسرى بعده وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله . صحيح

(92) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرزي أنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيه أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه سمعه يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت يا رسول الله ما يضحكك قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله كما قال في الأولى قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال أنت من الأولين فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت .

(93) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا أحمد بن إسحق نا عبيد الله بن موسى نا إسرائيل عن أبي إسحق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد فقال أمية لسعد انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل فقال من هذا الذي يطوف بالكعبة فقال سعد أنا سعد فقال أبو جهل تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه فقال نعم فتلاحيا فقال أمية لسعد لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي ثم قال سعد والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام قال فجعل أمية يقول لسعد لا ترفع صوتك وجعل يمسكه فغضب سعد فقال دعنا عنك فإني سمعت محمدا يزعم أنه قاتلك قال إياي قال نعم قال والله ما يكذب محمد إذا حدث فرجع إلى امرأته فقال أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي قالت وما قال قال زعم أنه سمع محمدا أنه يزعم أنه قاتلي قالت فوالله ما يكذب محمد قال فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ قالت له امرأته أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي قال فأراد أن لا يخرج فقال له أبو جهل إنك من أشراف الوادي فسر يوما أو يومين فسار معهم فقتله الله . صحيح

(94) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا عفان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقام سعد بن عبادة فقال إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا قال فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مصرع فلان قال ويضع يده على الأرض ههنا وههنا قال فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم . صحيح

(95) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا محمد بن عبد الله بن حوشب نا عبد الوهاب أنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك فخرج وهو يقول  سيهزم الجمع ويولون الدبر . صحيح

(96) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد نا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن مثنى أنا محمد بن جعفر نا شعبة عن أبي سلمة سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق فجعل يمسح رأسه ويقول بؤس بن سمية تقتلك فئة باغبة وقال مسلم نا إسحق بن إبراهيم أنا النضر بن شميل عن شعبة بهذا الإسناد وقال أخبرني من هو خير مني أبو قتادة . صحيح

(97) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي نا عبد الرحيم بن منيب نا يزيد بن هرون أنا حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الأرض لا يقبله قال أنس فأخبرني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها فوجده منبوذا قال أبو طلحة ما شان هذا فقالوا قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض . صحيح

(98) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد الرنادي نا أحمد بن إسحق الصيدلاني نا أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر نا أبو نعيم الفضل بن دكين نا شريك عن عبد الله بن عقيم قال سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في ثقيف كذابا ومبيرا قيل الكذاب هو المختار بن أبي عبيد والمبير الحجاج بن يوسف .

(99) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب محمد بن العلاء نا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثت هذه الريح لموت منافق قال فقدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات . صحيح

(100) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا حبان أنا عبد الله أنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح فأثبتته فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت الذي تحدث أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله أشد القتال فكثرت به الجراح فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه من أهل النار فكاد بعض المسلمين يرتاب فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر بها فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك قد انتحر فلان فقتل نفسه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر . صحيح

(101) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج أنا عبيد الله بن معاذ العنبري نا أبي أنا قرة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل قال فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج ثم تتام الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر فأتيناه فقلنا تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم قال وكان رجلا ينشد ضالة له .

(102) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب نا سليمان بن بلال عن عمرو بن يحيى عن عباس بن سهل الساعدي عن أبي حميد رضي الله تعالى عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة فقال رسول الله أخرصوها فخرصناها وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق وقال أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله وانطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له بردا ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها فقالت عشرة أوسق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي ومن شاء فليمكث فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال هذه طابة وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه . صحيح

(103) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا حماد بن إسماعيل بن عليه نا أبي عن وهيب عن يحيى بن أبي إسحق أنه حدث عن أبي سعيد مولى المهري أنه أتى أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فقال أبو سعيد خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قال المهري أظن أنه قال حتى قدمنا عسفان فأقام بها ليالي فقال الناس ما نحن ههنا في شيء وإن عيالنا لخلوف ما نأمن عليهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال والذي نفسي بيده ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليها ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها ثم قال للناس ارتحلوا فارتحلنا وأقبلنا إلى المدينة فوالذي نحلف به أو يحلف به شك ابن حماد ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة حتى أغار علينا بنو عبد الله بن غطفان وما يهيجهم قبل ذلك شيء . صحيح

(104) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد قالا أنا وهب بن جرير نا أبي قال سمعت حرملة المصري يحدث عن عبد الرحمن بن شماسة عن أبي نضرة عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيه القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما أو قال ذمة وصهرا فإذا رأيتم رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فاخرج منها قال فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان فيها في موضع لبنة فخرجت منها . صحيح

(105) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل ثنا عبد الله بن محمد نا يحيى بن آدم نا إسرائيل سمعت أبا إسحق يقول سمعت سليمان بن صرد رضي الله تعالى عنه يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم . صحيح

(106) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا قتيبة بن سعيد نا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب قالوا هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا قال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام فأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم . صحيح

(107) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا يحيى بن قزعة نا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها فضحكت قالت فسألتها عن ذلك فقالت سارني النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه فضحكت . صحيح

(108) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج نبا زهير بن حرب نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أسير بن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن خير التابعين رجل يقال له أويس وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم . صحيح

(109) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا الحميدي نا الوليد بن مسلم نا عبد الله بن العلاء بن زبر قال سمعت بسر بن عبيد الله أنه سمع أبا إدريس قال سمعت عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة أدم فقال أعدد ستا بين يدي الساعة موتي ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثني عشر ألفا . صحيح

(110) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأحمد بن عبد الله الصالحي قالا نا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني نا محمد بن يحيى نا عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة فقال هل ترون ما أرى قالوا لا قال إني لأرى الفتن يقع خلال بيوتكم كوقع المطر . صحيح

(111) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا محمد بن المثنى نا الوليد بن مسلم أنا ابن جابر حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه يقول كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله تعالى بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قال قلت وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديه تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك . صحيح

(112) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن الحيري نا حاجب بن أحمد الطوسي نا محمد بن يحيى نا أبو صالح حدثني الليث حدثني جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك حمر الوجه صغار العيون ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة .

(113) - وبهذا الإسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود وحتى يختبئ اليهودي وراء الحجر فيقول الحجر يا عبد الله يا مسلم تعالى ورائي يهودي فاقتله . صحيح

(114) - أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي نا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض وحتى يهم رب المال من يتقبل منه صدقته قال ويقبض العلم ويقترب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج قالوا الهرج يا رسول الله أيم هو يا رسول الله قال القتل القتل قال وقال لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة وقال لا تقوم الساعة حتى ينبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله وقال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوز وكرمان قوما من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة وقال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر وقال لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين  لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . صحيح

(115) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنبا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو خيثمة زهير بن حرب نا سفيان بن عيينة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله تعالى عنه قال اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ما تذكرون قالوا نذكر الساعة قال إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف المغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم . صحيح

9- باب آخر في علامات نبوته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم

(116) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا محمد بن بشار نا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزوراء فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم قال قتادة قلت لأنس كم كنتم قال ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة . صحيح

(117) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا يوسف بن عيسى نا ابن فضيل نا حصين عن سالم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالكم قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك قال فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون قال فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة . صحيح

(118) - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله بن بشران نا إسماعيل بن محمد الصفار نا أحمد بن منصور الرمادي نبا عبد الرزاق أنبا معمر عن قتادة عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش فلما كان في بعض الطريق تخلف لبعض حاجته وتخلفت معه بميضأة وهي الإداوة قال أبو قتادة فقضى حاجته ثم جاءني فسكبت عليه من الميضأة فتوضأ وقال لي احفظها فلعله أن يكون لبقيتها شأن قال وسار الجيش فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرفقوا بأنفسهم وإن يعصوهما يشقوا على أنفسهم قال وكان أبو بكر وعمر أشاروا عليهم أن لا ينزلوا حتى يبلغوا الماء وقال بقية الناس بل ننزل حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فنزلوا فجئناهم في نحر الظهيرة وقد هلكوا من العطش فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالميضأة فأتيته بها فاستأبطها ثم جعل يصب لهم فشربوا حتى رووا وتوضئوا وملؤا كل إناء كان معهم حتى جعل يقول هل من عال قال فخيل إلي أنها كما أخذها وكانوا يومئذ اثنين وسبعين رجلا . صحيح

(119) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران نا إسماعيل بن محمد الصفار نا أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن عوف عن أبي رجاء العطاردي عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال سرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر هو وأصحابه قال فأصابهم عطش شديد فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه أحسبه قال عليا والزبير أو غيرهما فقال إنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا معها بعير عليه مزادتان فأتياني بها قال فأتيا المرأة فوجداها قد ركبت بين مزادتين على البعير فقالا لها أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ومن رسول الله هذا الصابئ قالا هو الذي تعنين وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا فجاءا بها فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل في إناء من مزادتيها ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول ثم أعاد الماء في المزادتين ثم أمر بعزلاء المزادتين ففتحت ثم أمر الناس فملؤوا آنيتهم وأسقيتهم فلم يدعوا يومئذ إناء ولا سقاء إلا ملؤه قال عمران حتى كان خيل إلي أنها لم تزدد إلا امتلاء قال فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بثوبها فبسط ثم أمر أصحابه فجاؤوا من زادهم حتى ملأ لها ثوبها ثم قال لها اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك ولكن الله سقانا فجاءت أهلها فأخبرتهم فقالت جئتكم من عند أسحر الناس أو إنه لرسول الله حقا قال فجاء أهل ذلك الحواء حتى أسلموا كلهم . صحيح

(120) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا هارون بن معروف نا حاتم بن إسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال خرجت أنا وأبي نطلب العلم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده قال سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئا يستتر به وإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما يعني جمعهما فقال التئما علي بإذن الله فالتأمتا قال جابر فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربي فيتبعد فجلست وأحدث نفسي فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف وقفة فقال برأسه هكذا وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا ثم أقبل فلما انتهى إلي قال يا جابر هل رأيت مقامي قلت نعم يا رسول الله قال فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك قال جابر فقمت فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة غصنا ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري ثم لحقت فقلت قد فعلت يا رسول الله فعم ذاك قال إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين قال فأتينا العسكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ناد بوضوء فقلت ألا وضوء ألا وضوء ألا وضوء فقلت يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في أشجاب له على حمارة من جريد فقال انطلق إلى فلان الأنصاري فانظر في أشجابه من شيء قال فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد إلا قطرة في عزلاء شجب منها لو أني أفرغه لشربه يابسه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله لم أجد إلا قطرة في عزلاء شجب لو أني أفرغه لشربه يابسه قال اذهب فأتني به فأتيته فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو ويغمزه بيديه ثم أعطانيه فقال يا جابر ناد بجفنة فقلت يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل فوضعتها بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في الجفنة هكذا فبسطها ففرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة وقال خذ يا جابر فصب علي وقل بسم الله فصببت عليه وقلت بسم الله فرأيت الماء يتفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت فقال يا جابر ناد من كان له حاجة بماء قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا فقلت هل بقي أحد له حاجة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى . صحيح

(121) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا فضل بن يعقوب نا الحسن بن محمد بن أعين أبو علي الحراني نا زهير نا أبو إسحق عن البراء بن عازب أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ألفا وأربعمائة أو أكثر فنزلوا على بئر فنزحوها فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى البئر وقعد على شفيرها ثم قال إيتوني بدلو من ماء فأتي به فبسق فدعا ثم قال دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا . صحيح

(122) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا محمد بن المثنى نا أبو أحمد الزبيري أنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدنها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقالوا اطلبوا فضلة من ماء فجاؤا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال حي على الطهور المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . صحيح

(123) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحق الحافظ نا العباس بن الوليد أخبرني أبي قال سمعت الأوزاعي قال حدثني إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب الناس في يوم جمعة إذ قام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وما نرى في السماء قزعة فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار سحاب كأمثال الجبال ثم لم يزل على المنبر حتى رأيت الماء ينحدر على لحيته فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد حتى الجمعة الأخرى فقام ذلك الرجل أو قال رجل غيره فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال اللهم حوالينا ولا علينا . قال فما يشير بيديه إلى ناحية من السحاب إلا تمزقت حتى صارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي وادي قبا شهرا ولم يجيء رجل من ناحية من النواحي إلا حدث بالجود . صحيح

(124) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عمرو بن علي نا أبو عاصم أنا حنظلة بن أبي سفيان أنا سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصا فانكفأت إلى امرأتي فقلت هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا فأخرجت إلي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا يفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه فجئته فساررته فقلت يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك فصاح النبي صلى الله عليه ويلم فقال يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سورا فحيهلا بكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس فأخرجت له عجينا فبسق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبسق فيها وبارك ثم قال ادع خابزة فلتخبز معي واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هو . صحيح .

(125) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرزي أنا أبو علي زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول قال أبو طلحة لأم سليم لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء فقالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخذت خمارا لها فلفت ببعضه ثم دسته تحت يدي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلك أبو طلحة قلت نعم فقال بطعام فقلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا قال فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته قال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت الله ورسوله أعلم قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلمي ما عندك يا أم سليم فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت أم سليم عكة لها فأدمته ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم قال ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون رجلا أو ثمانون . صحيح

(126) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب محمد بن العلاء نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنهما شك الأعمش قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا قال فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال فدعا بنطع فبسطه دعا بفضل أزوادهم قال فجعل الرجل يجيء بكف ذرة قال ويجيء الآخر بكف تمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمعا على النطع من ذلك شيء يسير قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال خذوا في أوعيتكم قال فأخذنا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه قال فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة . صحيح

(127) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني أحمد بن يوسف الأزدي نا النضر يعني ابن محمد اليماني نا عكرمة وهو ابن عمار عن إياس عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا تزوادنا فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم على النطع قال فتطاولت لأحرزه كم هو فحرزته كربضة الغنم ونحن أربع عشرة مائة قال فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم هل من وضوء قال فجاء رجل بإداوة فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة قال ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا هل من طهور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغ الوضوء . صحيح

(128) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني سلمة بن شبيب نبا الحسن بن أعين نا معقل عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم ليس عندهم شيء فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمنا فما زال تقيم لها أدم بيتها حتى عصرته فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال عصرتها قالت نعم قال لو تركتيها ما زال قائما . صحيح

(129) - حدثنا أبو طاهر المطهر بن علي الفارسي أنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ نا محمد بن عبد الله بن رستة نا شيبان بن فروخ نا محمد بن زياد قال سمعت أبا الظلال يخبر عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن أمه قالت كانت لنا شاة فجمعت من سمنها في عكة فملأت العكة ثم بعثت بها مع زبيبة فقلت يا زبيبة أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأدم بها فانطلقت فقالت يا رسول الله هذا سمن بعثت بها إليك أم سليم قال فرغوا لها ففرغت العكة ثم دفعت إليها فجاءت وأم سليم ليست في البيت فعلقت العكة على وتد فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة سمنا .

(130) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني سلمة بن شبيب نا الحسن بن أعين نا معقل عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم . صحيح

(131) - حدثنا أبو طاهر الفارسي نا أبو ذر محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا الوليد نا إسحق بن إبراهيم نا سعد بن الصلت وابن بكار قالا نا عمر بن ذر عن مجاهد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع وإن كنت لأعتمد بيدي على الأرض من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون فيه فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما أسأله عنها إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله لا أسأله إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فعرف ما في نفسي وما في وجهي فتبسم وقال أبا هر إلحق فاتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فوجد لبنا في قدح فقال لأهله أنى لكم هذا اللبن قالوا أهداه فلان أو آل فلان فقال يا أبا هر انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال فأحزنني ذلك وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال إذا جاءته صدقة أرسل بها إليهم ولم يرزأ منها شيئا وإذا جاءته هدية أرسل إليهم وأشركهم فيها وأصاب منها فأحزنني إرساله إياي وقلت كنت أرجو أن أشرب من هذا اللبن شربة أتغدى بها فما أغنى هذا اللبن في أهل الصفة وأنا الرسول ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد فانطلقت إليهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجلسهم في البيت وقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال قم فأعطهم فآخذ القدح فأعطي الرجل حتى يروى ثم يرده إلي حتى روي جميع القوم فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ القدح فوضع على يديه ثم رفع رأسه فنظر فتبسم قال اقعد فاشرب فقعدت وشربت وقال اشرب فما زال يقول اشرب وأشرب حتى قلت والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا قال فأرني فرددت إليه الإناء فتبسم وحمد الله وشرب منه . صحيح

(132) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا شبابة بن سوار نا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد رضي الله تعالى عنه قال أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز فقال النبي صلى الله عليه وسلم احتلبوا هذا اللبن بيننا قال فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان نصيبه ويرفع النبي صلى الله عليه وسلم نصيبه فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان ثم يأتي المسجد فيصلي ثم يأتي شرابه فيشرب فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي فقال محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة فأتيتها فشربتها فلما أن وغلت في بطني ند مني الشيطان فقال ويحك ما صنعت أشربت شراب محمد فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي وجعل لا يجيء النوم قال فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم ثم أتى المسجد فصلى ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا فرفع رأسه إلى السماء فقلت الآن يدعو علي فأهلك فقال اللهم أطعم من أطعمني واسق من أسقاني قال فعمدت إلى الشملة فشددتها علي وأخذت الشفرة وانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي حافل وإذا هن حفل كلهن فعمدت إلى إناء لآل محمد ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه فحلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله اشرب فشرب ثم ناولني فقلت يا رسول الله اشرب فشرب فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم إحدى سوآتك يا مقداد فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وفعلت كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذه إلا رحمة من الله أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبا منها فقلت والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها معك من أصابها من الناس . صحيح

(133) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا أحمد بن أبي شريح أنا عبيد الله بن موسى نا شيبان عن فراس عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن أباه استشهد يوم أحد وترك عليه دينا وترك عليه ست بنات فلما حضر جزاز النخل قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك دينا كثيرا وإني أحب أن يراك الغرماء فقال اذهب فبيدر كل تمر على ناحية ففعلته ثم دعوته فلما نظروا إليه فكأنما أغروا بي تلك الساعة فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه ثم قال ادع لي أصحابك فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أمانته وأنا أرضى أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة فسلم الله البيادر كلها وحتى إني أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم كأنها لم ينقص تمرة واحدة . صحيح

(134) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي نا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا يوسف بن موسى نا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحق عن البراء رضي الله تعالى عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار فأمر عليهم عبد الله يعني ابن عتيك وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس قال عبد الله لأصحابه اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل قال فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على ود قال فقمت فأخذت بها ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي له فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه قال فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ثم وضعت ضبب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجا فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأني لم أشتكها قط . صحيح

(135) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد قال رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت يا أبا مسلم ما هذه الضربة قال هذه ضربة أصابتنيها يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة . صحيح

(136) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي نا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا يوسف بن موسى أنا أبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير رضي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تريحني من ذي الخلصة فقلت بلى فانطلقت في مائة وخمسين فارسا من أحمس وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا قال فما وقعت عن فرسي بعد قال وكان ذو الخلصة بيتا باليمن بخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة قال فأتاها فحرقها بالنار وكسرها قال فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات . صحيح

(137) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عبد الأعلى بن حماد نا يزيد بن زريع نا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة كان يقطف أو كان فيه قطاف فلما رجع قال وجدنا فرسكم هذا بحرا فكان بعد ذلك لا يجارى وقال محمد عن أنس فركب فرسا لأبي طلحة بطيئا وقال إنه لبحر فما سبق بعد ذلك اليوم . صحيح

(138) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا إسحق بن إبراهيم أنا جرير عن المغيرة عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فتلاحق بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على ناضح لنا قد أعيى فلا يكاد يسير فقال لي ما لبعيرك قال قلت عيي قال فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجره ودعا له فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير فقال لي كيف ترى بعيرك قلت بخير قد أصابته بركتك قال أفتبيعه قال فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة فلما قدم المدينة غدوت عليه بالبعير فأعطانيه ثمنه ورده علي .

(139) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال كل بيمينك فقال لا أستطيع قال لا استطعت ما منعه إلا الكبر قال فما رفعها إلى فيه . صحيح

(140) - حدثنا أحمد بن عبد الله الصالحي نا أبو نصر أحمد بن علي بن منصور البخاري نا أبو سعيد خلف بن سليمان النسفي نا أبو كريب محمد بن العلاء نا يونس بن بكير عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب فأصبح عمر فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم روي عن ابن مسعود قال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر .

(141) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا زهير بن حرب نا عمر بن يونس الحنفي نا عكرمة قال إياس بن سلمة حدثني أبي قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما واجهنا العدو فالتقوهم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين . صحيح

(142) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا زهير بن حرب نا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن أبيه عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي في الجنة فلم يجبه أحد فقال قم يا حذيفة اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته خبر القوم وفرغت قررت فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال قم يا نومان . صحيح

(143) - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي نا أبو عيسى الترمذي نا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي نا علي بن الحسين بن واقد حدثني أبي حدثني عبد الله بن بريدة قال سمعت أبي بريدة يقول جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا سلمان ما هذا فقال صدقة عليك وعلى أصحابك فقال صلى الله عليه وسلم ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة قال فرفعها فجاء الغد بمثله فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا يا سلمان قال هدية لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابسطوا ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به وكان لليهود فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهما على أن يغرس لهم نخيلا فيعمل سلمان فيه حتى يطعم فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل إلا نخلة واحدة غرسها عمر فحملت النخلة من عامها ولم تحمل نخلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شان هذه فقال عمر أنا غرستها فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملت من عامه .

(144) - أخبرنا أبو الحسن الشيزري أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل ترون قبلتي ههنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري . صحيح

(145) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا خلاد نا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا يقعد عليه فإن لي غلاما نجارا قال إن شئت قال فعلمت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر . صحيح

(146) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار نا أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حفص عن يعلى بن مرة الثقفي رضي الله تعالى عنه قال ثلاثة أشياء رأيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه قال فلما رآه البعير جرجر فوضع جرانه فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أين صاحب هذا البعير فجاءه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعنيه قال بل نهبه لك وإنه لأهل بيت مآلهم معيشة غيره قال أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه قال ثم سرنا حتى نزلنا منزلا فنام النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له فقال هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على رسول الله فأذن لها قال ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جنة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره ثم قال اخرج إني محمد رسول الله قال ثم سرنا فلما رجعنا من مسيرنا مررنا بذلك الماء فأتته المرأة بجزر ولبن فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا اللبن فسألها عن الصبي فقالت والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك .

(147) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان نا علي بن الحسين الدارابجردي نا أبو الوليد الطيالسي نا عكرمة بن عمار نا أبو كثير الشحمي هو يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني قال يزيد قلت وما علمك بذلك قال إن أمي كانت مشركة وإني كنت أدعوها إلى الإسلام فتأبى علي وإني دعوتها ذات يوم فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن أمي مشركة وإني كنت أدعوها إلى الإسلام فتأبى علي وإني دعوتها فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أمي فقال اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت أغدو أبشرها بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتيت الباب فإذا هو منجاف وسمعت خضخضة الماء وسمعت خشف رجلي فقالت يا أبا هريرة كما أنت وفتحت الباب ولبست درعها وعجلت عن خمارها فقالت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن فقلت يا رسول الله أليس قد استجاب الله دعوتك فهدى أم أبي هريرة ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلي وإليها فقال اللهم حبب عبدك وأمه إلى عباده المؤمنين وحببهم إليه . صحيح

(148) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا موسى بن إسماعيل نا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال يقولون إن أبا هريرة يكثر والله الموعد ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني فأحضر حين يغيبون وأعي حين ينسون وقال النبي صلى الله عليه وسلم لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته ثم جمعتها إلى صدري فوالذي بعثه ما نسيت من مقاله تلك إلى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم أبدا  إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليم وأنا التواب الرحيم . صحيح

(149) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب نا محمد بن إبراهيم بن دينار عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قلت يا رسول الله إني أسمع منك كثيرا أنساه قال ابسط رداءك فبسطته ففرق بيدي ثم قال ضمه فضممته فما نسيت شيئا بعده . صحيح

10- باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم

(150) - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار أنا أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن لي أسماء أنا أحمد وأنا محمد وأنا الماحي يمحو الله به الكفر وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب قال قلت للزهري ما العاقب قال الذي ليس بعده نبي . صحيح

(151) - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي نا أبو عيسى الترمذي قال نا محمد بن طريف الكوفي نا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طريق المدينة فقال أنا محمد وأنا أحمد وأنا نبي الرحمة ونبي التوبة وأنا المقفى وأنا الحاشر ونبي الملاحم .

(152) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم نا محمد بن هشام بن ملاس النميري نا مروان بن معاوية الفزاري نا حميد قال قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه نادى رجل بالبقيع يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لم أعنك إنما عنيت فلانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي . صحيح

(153) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصبيحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي نا محمد بن حماد نا أبو معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي فإنما جعلت قاسما أقسم بينكم . صحيح

11- باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

(154) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرزي أنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي أنا أبو إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء . صحيح

(155) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا أبو بكير نا الليث عن خالد عن شعبة بن أبي هلال عن ربيعة سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يصف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير أزهر اللون بمعنى حديث مالك وزاد قال ربيعة فرأيت شعرا من شعره فإذا هو أحمر فسألت فقيل احمر من الطيب .

(156) - أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد ابن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أبو الحسن علي بن الحسن الدارابجردي نا عمار بن عبد الجبار نا المسعودي عن عثمان بن عبد الله عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير ضخم الرأس واللحية شثن الكفين مشرب حمرة ضخم الكراديس طويل المسربة إذا مشى تكفى تكفيا كأنما ينحط من صبب لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم .

(157) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا أبو النعمان نا جرير بن حازم عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس والقدمين لم أر بعده ولا قبله مثله وكان بسط الكفين . صحيح

(158) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا أبو موسى محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن سماك بن حرب قال سمعت جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم أشكل العينين منهوش العقب قال شعبة قلت لسماك ما ضليع الفم قال عظيم الفم قلت ما أشكل العين قال طويل شق العين قلت ما منهوش العقب قال قليل لحم العقب . صحيح

(159) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي نا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا قتيبة بن سعيد نا الليث عن سعد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عرض علي الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى بن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم يعني نفسه ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية . صحيح

(160) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني نا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا أحمد بن منيع نا عباد بن العوام أنا الحجاج بن أرطأة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال كان في ساقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حموشة وكان لا يضحك إلا تبسما وكنت إذا نظرت إليه فقلت أكحل العينين وليس بأكحل . غريب

(161) - عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن عندي من القمر .

(162) - وأخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا عبد الله بن عبد الرحمن أنا إبراهيم بن أخي موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه .

(163) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا حفص بن عمر نا شعبة عن أبي إسحق عن البراء رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعا بعيد ما بين المنكبين له شعر بلغ شحمة أذنه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه . صحيح

(164) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا محمد بن بشار وسفيان بن وكيع المعنى واحد قالا نا يزيد بن هرون عن سعيد الجريري قال سمعت أبا الطفيل رضي الله تعالى عنه يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري قلت صفه لي قال كان أبيض مليحا مقصدا . صحيح

(165) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني نا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا أبو داود المصاحفي سليمان بن سلم نا النضر بن شميل عن صالح بن أبي الأخضر عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض كأنما صيغ من فضة رجل الشعر .

12- باب في صفة شعره وشيبه صلى الله تعالى عليه وسلم

(166) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عمرو بن علي نا وهب بن جرير حدثني أبي عن قتادة قال سألت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ليس بالسبط ولا الجعد بين أذنيه وعاتقه . صحيح

(167) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار نا أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن ثابت البناني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان شعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه . صحيح

(168) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا هناد بن السري نا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من إناء واحد وله شعر فوق الجمة ودون الوفرة .

(169) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا محمود بن غيلان نا وكيع نا سفيان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال ما رأيت من ذي لمة أحسن من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم له شعر يضرب منكبيه بعيد ما بين المنكبين لم يكن بالقصير ولا بالطويل . صحيح

(170) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا سليمان بن حرب نا حماد بن زيد عن ثابت قال سئل أنس رضي الله تعالى عنه عن خضاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إنه لم يبلغ ما يخضب لو شئت أن أعد شمطاته في لحيته . صحيح

(171) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا محمد بن بشار نا أبو داود نا همام عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه له خضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لم يبلغ ذلك إنما كان شيبا في صدغه ولكن أبو بكر خضب بالحناء والكتم . صحيح

(172) - أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار نا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أنا إسحق بن إبراهيم الدبري نا عبد الرزاق أنا معمر عن ثابت البناني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال ما عددت في رأس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولحيته إلا أربع عشرة بيضاء .

(173) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا أحمد بن منيع نا شريح بن النعمان نا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب قال قيل لجابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه أكان في رأس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيب قال لم يكن في رأس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيب إلا شعرات في مفرق رأسه إذا ادهن واراهن الدهن . صحيح

(174) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عصام بن خالد عن جرير بن عثمان أنه سأل عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أكان شيخا قال كان في عنفقته شعرات بيض . صحيح

(175) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني نا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي نا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي نا أحمد بن حنبل نا يحيى بن آدم عن شريك عن عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال كان شيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة .

(176) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا أحمد بن منيع نا هشيم أخبرنا عبد الملك بن عمير عن إياد بن لقيط عن أبي رمثة رضي الله تعالى عنه قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع ابن لي فقال ابنك فقلت نعم اشهد به فقال لا يجني عليك ولا تجني عليه قال ورأيت الشيب أحمر .

(177) - أخبرني عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا موسى بن إسماعيل نا سلام عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال دخلت على أم سلمة رضي الله تعالى عنها فأخرجت إلينا شعرا من شعر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مخضوبا .

13- باب في خاتم النبوة صلى الله تعالى عليه وسلم

(178) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا قتيبة بن سعيد نا حاتم بن إسماعيل عن الجعد بن عبد الرحمن عن السائب بن يزيد يقول ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وجع فمسح رأسي ودعا لي بالبركة فتوضأ فشربت من وضوئه وقمت خلف ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه فإذا هو مثل زر الحجلة . صحيح

(179) - وأخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي نا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا سعيد بن يعقوب الطالقاني نا أيوب بن جابر عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غدة حمراء مثل بيضة الحمامة . صحيح وقال إسرائيل عن سماك مثل بيضة الحمامة يشبه جسده

(180) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا محمد بن بشار نا أبو عاصم نا عزرة بن ثابت حدثني غلباء بن أحمر حدثني أبو زيد بن أخطب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يا أبا زيد ادن مني فامسح ظهري فمسحت ظهره فوقعت أصابعي على الخاتم قلت وما الخاتم قال شعرات مجتمعات .

(181) - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي نا علي بن الجعد أنا شريك بن عبد الله عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه قال رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ودخلت عليه وأكلت من طعامه وشربت من شرابه ورأيت خاتم النبوة في نقض كتفه اليسرى كأنه جمع خيلان سود كأنها ثآليل . صحيح

(182) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب أنا أبو عيسى نا محمد بن بشار نا بشر بن الوضاح نا أبو عقيل الدورقي عن أبي نضرة قال سألت أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن خاتم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعني خاتم النبوة فقال كان في ظهره بضعة ناشزة .

(183) - أخبرنا عبد الواحد المليحي نا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا حبان بن موسى أنا عبد الله عن خالد بن سعيد عن أبيه عن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سنه سنه قال عبد الله وهي بالحبشية حسنة قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دعها ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي صحيح

باب في طيب ريحه صلى الله تعالى عليه وسلم

(184) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم نا أبو جعفر محمد بن هشام بن ملاس النميري نا مروان بن معاوية الفزاري نا حميد الطويل عن أنس رضي الله تعالى عنه قال ما شممت رائحة قط مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا مسست شيئا قط خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . صحيح

(185) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب نا نعيم يعني ابن القاسم عن سلمان عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال دخل علينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب . صحيح

(186) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا عمرو بن حماد بن طلحة القناد نا أسباط وهو ابن نصر الهمداني عن سماك عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال صليت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا قال وأما أنا فمسح خدي قال فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار . صحيح

(187) - أخبرنا عبد الواحد المليحي نا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا الحسن بن منصور نا الحجاج بن محمد الأعور نا شعبة عن الحكم عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة قال شعبة وزاد فيه عون عن أبيه أبي جحيفة قال كان يمر من ورائها المرأة وقام الناس وجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم قال فأخذت بيديه فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رايحة من المسك . صحيح

(188) - حدثنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي أنا أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني أنا محمد عبيد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ أنا أبو يعلى الموصلي نا بشر بن سيحان نا عمر بن سعيد الأبح نا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كنا نعرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أقبل بطيب ريحه .

(189) - حدثنا المطهر بن علي الفارسي أنا محمد بن إبراهيم الصالحاني أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا سلم بن عصام نا أحمد بن محمد بن يعلى الأدمي نا أبو غسان نا إسحق بن الفضل الهاشمي حدثني مغيرة بن عطية عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه قال كان في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خصال لم يكن في طريق فيسلكه أحد إلا عرف أنه يسلكه من طيب عرقه أو طيب عرفه .

15- باب في حسن خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم

(190) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله نا إسحق بن منصور نا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحق قال سمعت البراء رضي الله تعالى عنه يقول كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير . صحيح

(191) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا قتيبة بن سعيد نا جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال خدمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط وما قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا قط ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . صحيح

(192) - حدثنا المطهر بن علي الفارسي أنا محمد بن إبراهيم الصالحاني نا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان نا محمد بن يحيى المروزي نا عاصم بن علي نا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال خدمت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عشر سنين وأنا غلام ليس كل أمر كما يشتهي صاحبي أن يكون فما قال لي أف لم فعلت هذا أو ألا فعلت هذا .

(193) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني أبو معن الرقاشي أنا عمر بن يونس نا عكرمة بن عمار قال قال إسحق قال أنس رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أحسن الناس خلقا فأرسلني يوما لحاجة فقلت والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد قبض بقفائي من ورائي قال فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا أنس ذهبت حيث أمرتك قلت نعم أنا أذهب يا رسول الله . صحيح

(194) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم الصالحاني أنا عبد الله بن محمد البزار نا الحسن بن حماد الكوفي نا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني حدثني عباد المنقري عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال خدمت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سنين فما سبني سبة قط ولا ضربني ضربة ولا انتهرني ولا عبس في وجهي ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه فإن عاتبني عليه أحد من أهله قال دعوه فلو قدر شيئا كان .

(195) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر أنا عبد الله بن محمد بن سوار نا يزيد بن مهران أبو خالد الخباز نا أبو بكر بن عباس عن حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال خدمت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تسع سنين فما قال لي لشيء أسأت ولا بئس ما صنعت وكان إذا انكسر الشيء يقول قضي .

(196) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا أحمد بن جعفر بن نصر الحمال نا جرير بن يحيى نا حسين بن علوان الكوفي نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك فلذلك أنزل الله تعالى  وإنك لعلى خلق عظيم .

(197) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا عمرو بن نصر بن ثابت نا حميد بن مسعدة نا جعفر بن سليمان نا أبو عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس قال دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت يا أم المؤمنين ما كان خلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قالت كان خلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن ثم قالت أتقرؤن سورة المؤمنين قلنا نعم قالت اقرأه فقرأت  قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون  حتى بلغ  والذين هم على صلواتهم يحافظون  فقالت هكذا كان خلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .

(198) - حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم نا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي نا عبد الله بن الحسن الهاشمي بسامرا نا سليمان بن داود الهاشمي نا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن محمد بن سعد عن أبيه قال استأذن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعنده نساء من قريش يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر تبادرن الحجاب فأذن له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يضحك وقال أضحك الله سنك يا رسول الله بأبي أنت وأمي فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك بادرن الحجاب فقال عمر أنت أحق أن يهبن يا رسول الله ثم أقبل عليهن فقال أي يا عدوات أنفسهن أيهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلن نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إيه يا ابن الخطاب فوالذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك . صحيح

(199) - أخبرنا عبد الواحد المليحي نا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا مسدد نا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة رضي الله تعالى عنه قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قوم من بني أسلم يتناضلون بالسوق فقال ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وأنا مع بني فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيديهم قال فقال ما لهم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بني فلان قال ارموا وأنا معكم كلكم . صحيح

(200) - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية أنا أبو إسحق إبراهيم بن خزيم الشاشي نا عبد بن حميد نا عبد الرزاق بن سعد أنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب عن عبادة بن حبيش عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو جالس في المسجد فقال القوم هذا عدي بن حاتم وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما رفعت إليه أخذ بيدي وقد كان قال قبل ذلك إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي قال فقام بي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا إن لنا إليك حاجة فقام معها حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما يفرك إلا أن يقال لا إله إلا الله فهل يعلم من إله سوى الله قال قلت لا قال ثم تكلم ساعة ثم قال إنما تفر أن يقال الله أكبر وتعلم شيئا أكبر من الله قال قلت لا قال فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال قال قلت فإني حنيف مسلم فرأيت وجهه تبسط فرحا قال ثم أمرني فأنزلت عند رجل من الأنصار فجعلت أغشاه آتيه طرفي النهار قال فبينا أنا عنده غشية إذ جاء قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار قال فصلى وقام فحث عليهم ثم قال ولو بصاع ولو بنصف صاع ولو بقبضة ولو ببعض قبضتك يقي أحدكم وجهه حر جهنم أو النار ولو بتمرة أو بشق تمرة فإن أحدكم لاقي الله فقائل له ما أقول لكم ألم أجعل لك سمعا وبصرا فيقول بلى فيقول ألم أجعل لك مالا وولدا فيقول بلى قال فأين ما قدمت لنفسك فنظر قدامه وبعده وعن يمينه وشماله ثم لا يجد شيئا يقي به وجهه جهنم توق أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة لينة فإني لا أخاف عليكم الفاقة فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى يسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أكثر ما يخاف على مطيتها السرق قال فجعلت أقول في نفسي أين لصوص طيء .

(201) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا هرون بن إسحق الهمداني نا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما ضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل ولا ضرب خادما ولا امرأة . صحيح

(202) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا إسماعيل بن محمد نا أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كنت ألعب باللعب فيأتين صواحبي فإذا دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فررن منه فيأخذهن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيردهن علي . صحيح

(203) - وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران أن إسماعيل بن محمد الصفار نا أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت والله لقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم بين أذنه وعاتقه ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو . صحيح

(204) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار نا أحمد بن عيسى البرتي نا موسى بن كثير نا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا وكان يقول خياركم أحاسنكم أخلاقا .

(205) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا سعيد عن أبي إسحق عن أبي عبد الله الجدلي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح.

(206) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز نا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر بن منيع العبدي قال نا يونس بن محمد نا فليح هو ابن سليمان عن هلال بن علي قال قال أنس رضي الله تعالى عنه لم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سبابا ولا فحاشا ولا لعانا كان يقول لأحدنا عند المعتبة ما له ترب جبينه .

(207) - أخبرنا المطهر بن علي أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا علي بن العباس المقانعي نا أحمد بن محمد بن ماهان أخبرني أبي نا طلحة بن زيد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .

16- باب في حلمه وعفوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

(208) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرزي أنا زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي أنا أبو إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قالت ما خير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . صحيح

(209) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني نا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا أحمد بن عبدة الضبي نا فضيل بن عياض عن منصور عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله شيء فإذا انتهك من محارم الله شيء كان من أشدهم في ذلك غضبا وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما .

(210) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا إسماعيل بن عبد الله حدثني مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء . صحيح

(211) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للزبير اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر فاستوعى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حينئذ حقه للزبير وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري . صحيح

(212) - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي نا أبو حذيفة نا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قسما فقال رجل ما أريد بهذا وجه الله فأتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فذكرت ذلك فتمعر وجهه ثم قال يرحم الله موسى قد أوذي بما هو أشد من هذا فصبر . صحيح

(213) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا ابن رسته نا عبيد الله بن معاذ نا أبي عن حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كسرت رباعية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يوم أحد وشج فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله تعالى  ليس لك من الأمر شيء . صحيح

(214) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم نا سفيان عن الأسود بن قيس سمعت جندبا رضي الله تعالى عنه يقول بينما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يمشي إذ أصابه حجر فعثر فدميت أصبعه فقال هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت . صحيح

(215) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه فقال له دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه وأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الذي نعته . صحيح

(216) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا اليمان أنا شعيب عن الزهري حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل نجد فلما قفل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تحت سمرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي فقال إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال من يمنعك مني فقلت الله ثلاثا ولم يعاقبه وجلس . صحيح

(217) - أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال نا أبو العباس الأصم نا الربيع بن سليمان أنا محمد بن إدريس الشافعي أنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها فاستقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم القبلة ورفع يديه فقال الناس هلكت دوس فقال اللهم اهد دوسا وأت بهم . صحيح

(218) - حدثنا المطهر بن علي الفارسي أنا محمد بن إبراهيم الصالحاني أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ نا إبراهيم بن محمد بن الحسن نا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب نا أبو عوانة عن أبي بشر عن سلمان بن قيس عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال قاتل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم محارب خصفة قال فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل حتى قام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالسيف قال من يمنعك مني قال الله قال فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم السيف فقال من يمنعك مني فقال كن خير آخذ قال أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال لا غير أني لا أقاتلك ولا أكون معك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء أصحابه فقال جئتكم من عند خير الناس .

(219) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر أنا أحمد بن عروة بن أبي عاصم نا يحيى بن حبيب بن عربي نا خالد بن الحرب نا شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن يهودية أتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بشاة مسمومة ليأكل منها فجيئ بها إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت أردت قتلك فقال ما كان الله ليسلطك على ذلك أو قال على مسلم قالوا أفلا نقتلها قال لا . صحيح

(220) - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنا أنس بن عياض عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طب حتى أنه ليخيل أنه قد صنع شيئا وما صنعه وإنه دعا ربه ثم قال أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه فقالت عائشة وما ذاك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم قال في ماذا قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال فأين هو قال في ذروان وذروان بئر في بني زريق قالت عائشة فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤس الشياطين قالت فقلت له يا رسول الله هلا أخرجته قال أما أنا فقد شفاني الله كرهت أن أثير على الناس منه شرا . صحيح

(221) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا ابن أبي عاصم نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال سحر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل من اليهود قال فاشتكى لذلك أياما قال فأتاه جبريل عليه السلام فقال إن رجلا من اليهود سحرك فعقد لك عقدا فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها فجعل يحل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما أنشط من عقال فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قط .

(222) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا قتيبة بن سعيد نا عبد الوهاب نا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن اليهود أتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا السام عليك قال وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف أو الفحش قالت لم تسمع ما قالوا قال أولم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في .

(223) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا يحيى بن بكير نا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وثبت عليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين فغفر له لزدت عليها قال فصلى عليه ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة  ولا تصل على أحد منهم مات أبدا  إلى  وهم فاسقون . صحيح

(224) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر أنا أبو عاصم نا محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني نا الفياض بن محمد عن محمد بن إسحق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ابتاع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزله فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال فخرج إلى الأعرابي فقال يا عبد الله إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر الذخيرة ونحن نرى أنه عندنا فلم نجده فقال الأعرابي واغدراه فوكزه الناس قالوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تقول هذا قال دعوه .

(225) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا محمد بن العباس بن أيوب نا إسحق بن الضيف نا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثني أبي عمر عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستعينه في شيء فأعطاه شيئا ثم قال أحسنت إليك قال الأعرابي لا ولا أجملت قال فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل منزله ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت فقال إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت فزاده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا ثم قال أحسنت إليك قال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك وقلت ما قلت وفي أنفس أصحابي شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك قال نعم فلما كان الغد أو العشي جاء فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن صاحبكم هذا كان جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي أكذلك قال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا قال أبو هريرة فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين الناقة فأنا أرفق الناس بها وأعلم فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردها هوى هوى حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار .

(226) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم نا عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ أنا ابن أبي عاصم النبيل نا الحوطي نا الوليد بن مسلم نا محمد بن حمزة بن يوسف عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام ح قال أبو الشيخ حدثنا الحسن بن محمد نا أبو زرعة أنا محمد بن المتوكل نا الوليد بن مسلم نا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام حدثني أبي عن جدي قال قال عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه إن الله لما أراد هدى زيد بن سعنة قال زيد ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتان لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما فكنت أنطلق إليه لأخالطه فأعرف حلمه من جهله فخرج يوما من الحجرات يريد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه علي بن أبي طالب فجاء رجل يسير على راحلته كالبدوي فقال يا رسول الله إن قرية بني فلان أسلموا ودخلوا في الإسلام وحدثتهم إن هم أسلموا أتتهم أرزاقهم رغدا وقد أصابتهم سنة وشدة وقحوط من العيش وإني مشفق أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تغيثهم به فعلت فقال زيد بن سعنة فقلت أنا أبتاع منك بكذا وكذا وسقا فبايعني وأطلقت همياني وأعطيته ثمانين دينارا فدفعها إلى الرجل وقال أعجل عليهم بهذا وأغثهم فلما كان قبل المحل بيوم أو يومين أو بثلاثة خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جنازة بالبقيع ومعه أبو بكر وعمر في نفر من أصحابه فلما صلى على الجنازة ودنا من الجدار جذبت بردائه جبذة شديدة حتى سقط عن عاتقه ثم أقبلت بوجه جهم غليظ فقلت ألا تقضيني يا محمد فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل ولقد كان لي بمخالطتكم علم قال زيد فارتعدت فرائص عمر بن الخطاب كالفلك المستدير ثم رمى ببصره ثم قال أي عدو الله تقول هذا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتصنع به ما أرى وتقول ما أسمع فوالذي بعثه بالحق لولا ما أخاف فوته لسبقني رأسك ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينظر إلى عمر في تؤدة ثم تبسم ثم قال لأنا وهو أحوج إلى غير هذا أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن اتباعه إلى ههنا عن ابن أبي عاصم زاد أبو زرعة في حديثه اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما رعته قال زيد بن سعنة فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر فقلت ما هذا قال أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رعتك فقلت أتعرفني يا عمر قال لا فمن أنت قال أنا زيد بن سعنة قال الحبر قلت الحبر قال فما دعاك إلى أن تفعل برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما فعلت وتقول له ما قلت قلت يا عمر إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا قد عرفتها في وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتان لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما فقد اختبرته منه فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وأشهدك أن شطر مالي فإني أكثرها مالا صدقة على أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عمر أو على بعضهم فإنك لا تسعهم كلها قلت أو على بعضهم فرجع عمر وزيد بن سعنة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال زيد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فآمن به وتابعه وشهد مشاهد كثيرة .

(227) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا محمد بن سهل القطان نا عبد الله بن عامر بن سعد الأنصاري نا هشام بن عروة عن جده عروة بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت أنشد أبو بكر قول لبيد    أخ لي أما كل شيء سألته    فيعطي وأما كل ذنب فيغفر     فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه هكذا كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .

17- باب في إعراضه عما كرهه صلى الله تعالى عليه وسلم

(228) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا قتيبة بن سعيد وأحمد بن عبدة المعنى واحد قالا أنا حماد بن زيد عن سلم العلوي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان عنده رجل به أثر صفرة قال وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه فلما قام قال للقوم لو قلتم له يدع هذه الصفرة .

(229) - حدثنا أحمد بن عبد الله الصالحي إملاء نا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار نا زكريا بن يحيى نا سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر سمع عروة بن الزبير يقول حدثتنا عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلا استأذن على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ائذنوا له فبئس رجل العشير أو بئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول قالت عائشة يا رسول الله قلت له الذي قلت فلما دخل ألنت له القول قال يا عائشة إن شر الناس منزلة يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه . صحيح

(230) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا ابن أبي حاتم نا أحمد بن سنان الواسطي نا أبو يحيى الحماني نا الأعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل له قلت كذا وكذا قال ما بال أقام يقولون كذا وكذا .

(231) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي نا علي بن الجعد أنا شعبة نا سماك بن حرب سمعت نعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسوي الصف يدعه مثل القدح فرأى صدر رجل ناتئا فقال له عباد الله سووا صفوفكم أو ليخالفن الله به وجوهكم . صحيح

18- باب في رفقه صلى الله تعالى عليه وسلم في الأمور وكرمه واعتذاره

(232) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم الصالحاني أنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ نا أبو خليفة نا أبو الوليد الطيالسي نا عكرمة بن عمار نا إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عمه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قاعدا في المسجد ومعه أصحابه إذ جاء أعرابي فبال في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مه مه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تزرموه ثم دعاه فقال إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة ثم دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بدلو من ماء فشنه عليه . صحيح

(233) - أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني نا مسدد نا يحيى عن حجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه قال صليت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت وا ثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم فعرفت أنهم يصمتوني فلما صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأبي هو وأمي ما ضربني ولا كرهني ولا سبني ثم قال إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . صحيح

(234) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم الصالحاني أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا أحمد بن الحسين الحذاء نا علي بن المديني نا أنس بن عياض حدثني يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال أتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برجل قد شرب فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اضربوه فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله ومنا الضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تقولوا هكذا ولا تعينوا الشيطان عليه ولكن قولوا رحمك الله . صحيح

(235) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر أنا ابن صاعد يحيى بن محمد نا يوسف بن سعيد بن مسلم نا خالد بن يزيد القسري نا إسماعيل بن أبي خالد عن بيان عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان أكرم الناس .

(236) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد نا أحمد بن الحسين نا علي المديني نا حماد بن أسامة حدثني حارثة بن محمد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها كيف كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خلا قالت كان أبر الناس وأكرم الناس ضحاكا بساما صلى الله تعالى عليه وسلم .

(237) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا علي بن عبد الله نا سفيان عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال هلكت قال فما شأنك قال وقعت على امرأتي في رمضان قال تستطيع بعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا قال اجلس فجلس فأتي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل الضخم قال خذ هذا فتصدق به قال أعلى أفقر منا فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال أطعمه عيالك . صحيح

(238) - أخبرنا عمر بن عبد العزيز أنا القاسم بن جعفر الهاشمي نا أبو علي اللؤلؤي نا أبو داود السجستاني نا موسى بن إسماعيل نا حماد نا زياد الأعلم عن الحسن أن أبا بكرة رضي الله تعالى عنه جاء ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم راكع فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف فلما قضى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلاته قال زادك الله حرصا ولا تعد . صحيح

(239) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا آدم نا شعبة نا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال مر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري قالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى . صحيح

(240) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا أبو معمر أنا عبد الوارث نا كثير بن شنظير عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال بعثني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فانطلقت ثم رجعت وقد قضيتها فأتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسلت عليه فلم يرد علي فوقع في قلبي ما الله أعلم به فقلت في نفسي لعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجد علي أني أبطأت عليه فلم يرد فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى ثم سلمت عليه فرد علي وقال إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي وكان على راحلته إلى غير القبلة . صحيح

(241) - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله تعالى عنه أنه أهدى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه قال فلما رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما في وجهي قال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم . صحيح .

(242) - أخبرنا عمر بن عبد العزيز الفاشاني أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي أنا أبو داود السجستاني نا محمد بن المثنى نا عبد الأعلى نا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين بن المنذر عن المهاجر بن قنفذ رضي الله تعالى عنه أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر .

(243) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر أنا ابن رستة نا عبيد الله بن معاذ نا أبي عن حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين فأرسلت إحدى نسائه بقصعة فيها طعام فضربت يد الرسول فسقطت القصعة فانكسرت فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى ثم جعل يجمع الطعام ويقول غارت أمكم كلوا فأكلوا فحبس الرسول حتى جاءت الكاسرة بقصعتها التي في بيتها فدفع الصحفة الصحيحة إلى الرسول وترك المكسورة في بيت التي كسرتها . صحيح

(244) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد نا ابن رسته نا عبيد الله بن معاذ نا أبي عن حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال استحمل أبو موسى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوافق منه شغلا فقال والله لا أحملك فلما قفا دعاه فقال يا رسول الله قد حلفت أن لا تحملني قال وأنا أحلف لأحملنك فحمله .

(245) - وحدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم نا عبد الله بن محمد أبو الشيخ الحافظ نا أبو العباس الطهراني نا إبراهيم بن راشد الأدمي نا مسلم نا عمرو بن عون العبسي نا سعيد الجريري عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن جرير رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دخل بعض بيوته فدخل البيت فامتلأ البيت ودخل جرير فقعد خارج البيت فأبصره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخذ ثوبه فلفه فرمى به إليه وقال اجلس على هذا فأخذه جرير فوضعه على وجهه وقبله .

(246) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج حدثني أبو غسان المسمعي نا معاذ بن هشام حدثني أبي عن مطر عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رجلا سهلا إذا هويت يعني عائشة الشيء تابعها عليه فأرسلها مع عبد الرحمن فأهلت بعمرة من التنعيم . صحيح

(247) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عبيد بن إسماعيل نا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى فقلت من أين تعرف ذلك فقال لها إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد وإذا كنت غضبى قلت لا ورب إبراهيم قلت أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك .

19- باب في رحمته وشفقته صلى الله تعالى عليه وسلم

(248) - أخبرنا عبد الواحد المليحي نا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا مسدد نا إسماعيل هو ابن إبراهيم نا أيوب عن أبي قلابة عن أبي سليمان مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال أتينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا اشتقنا أهلنا وسألنا عن من تركنا في أهلينا فأخبرنا وكان رفيقا رحيما قال ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لهم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم . صحيح

(249) - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرزي نا زاهر بن أحمد نا أبو إسحق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء . صحيح

(250) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا علي بن عبد الله نا يزيد بن زريع نا سعيد بن أبي عروبة نا قتادة أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه حدث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه . صحيح

(251) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن عباد وابن أبي عمر قالا نا مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة . صحيح

(252) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري نا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال قبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال من لا يرحم لا يرحم . صحيح

(253) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر أنا أبو يعلى أنا أبو العباس النرسي نا وهيب عن أيوب عن عمر بن سعيد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أرحم الناس بالصبيان وكان له ابن مسترضعا في ناحية المدينة وكان ظئره قينا فكان يأتيه ونحن معه وقد دخن البيت بالإذخر فيشمه ويقبله . صحيح

(254) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا الحسن بن عبد العزيز نا يحيى بن حسان نا قريش هو ابن حيان عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال دخلنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تذرفان فقال عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله فقال يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون . صحيح

(255) - أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري نا أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف أنا أبو العباس محمد بن إسحق السراج نا قتيبة بن سعيد نا مالك بن أنس عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة السلمي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها . صحيح

(256) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا حجاج بن منهال أنا سعيد أخبرني عدي قال سمعت البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول اللهم إني أحبه فأحبه .

(257) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا موسى بن إسماعيل نا معمر نا أبي نا أبو عثمان يعني النهدي عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه حدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن فيقول اللهم أحبهما فإني أحبهما .

(258) - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي نا أبو حامد أحمد بن يحيى بن بلال نا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر العبدي نا أبو النضر هاشم بن القاسم نا ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد عن نافع بن جبير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال كنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة فانصرف فانصرفت معه فجاء إلى فناء فاطمة فنادى الحسن بن علي أي لكع أي لكع أي لكع فلم يجبه أحد ثم انصرف فجاء إلى فناء عائشة فجاء الحسن بن علي قال أبو هريرة وظننت أن أمه حبسته ليجعل في عنقه السخاب فلما جاء التزمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والتزم هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ثلاث مرات . صحيح

(259) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عبد الله بن محمد نا سفيان عن أبي موسى إسرائيل قال سمعت الحسن بن علي قال سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين . صحيح

(260) - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأجلسه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله . صحيح

(261) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا عبد الله بن نمير نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم .

(262) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا إسحق بن منصور أنا أبو أسامة نا هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت قبا فولدت بقبا ثم أتيت به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوضعته في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه فكان أول مولود ولد في الإسلام . صحيح

(263) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل نا علي بن عبد الله نا عبد الله بن يزيد نا شعبة هو ابن أبي أيوب حدثني أبو عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام وكان قد أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت يا رسول الله بايعه فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو صغير فمسح رأسه ودعا له . صحيح

(264) - أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي الطوسي وحدثنا أحمد بن عبد الله الصالحي قالا نا أبو إسحق إبراهيم بن محمد الإسفرائيني أنا محمد بن محمد بن رزمويه نا يحيى بن محمد بن غالب نا يحيى بن يحيى أنا عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أتي بصبي فقبله فقال أما إنهم مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله عز وجل .

(265) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم الصالحاني أنا عبد الله بن جعفر نا أبو بكر بن راشد نا إبراهيم الجوهري نا أبو أسامة عن حاتم عن سماك عن عمرو بن رافع عن شريد الهمداني وأخواله ثقيف قال كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال في حجة الوداع فبينما أمشي إذا وقع ناقة خلفي فالتفت فإذا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال الشريد قلت نعم قال أفلا أحملك قلت بلى وما بي عياء ولا لغوب ولكني أردت البركة في ركوبي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأناخ فحملني .

(266) - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أنا طاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإذا أخذه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا ومدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه قال ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر . صحيح

(267) - حدثنا المطهر بن علي أنا محمد بن إبراهيم أنا عبد الله بن محمد بن جعفر نا محمد بن عبد الله بن رسته نا أبو معمر القطيعي نا إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن عن جابر رضي الله تعالى عنه قال صليت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الظهر والعصر فلما سلم قال لنا على أماكنكم وأهديت له جرة من حلواء فجعل يلعق كل رجل لعقة حتى أتى علي وأنا غلام فألعقني لعقة ثم قال لي أزيدك قلت نعم وزادني لعقة لصغري فلم يزل كذلك حتى أتى على آخر القوم .

(268) - أخبرنا عبد الواحد المليح أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا عبد الله بن محمد نا أبو عامر نا فليح عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عروة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم  النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم  فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتين فأنا مولاه . صحيح

20- باب بكائه صلى الله تعالى عليه وسلم وحزنه

(269) - أخبرنا أبو الفتح نصر بن علي بن أحمد الحاكم الطوسي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي نا أبو العباس الأصم نا محمد بن إسحق الصنعاني أنا سعيد بن عامر عن شعبة عن عاصم عن أبي عثمان عن أسامة رضي الله تعالى عنه قال حضر ابن ابنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسلت إليه أن يجيء قال إن لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فردت إليه الرسول تقسم عليه لما جاء قال فقام وقمنا ومعه سعد بن عبادة وأبي بن كعب أحسبه فرفع الصبي إلى حجر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونفسه تقعقع قال ففاضت عيناه قال له سعد بن عبادة ما هذا يا رسول الله قال هذه الرحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء . صحيح

(270) - أخبرنا أبو محمد الجوزجاني أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب نا أبو عيسى نا محمد بن بشار نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي أو قال عيناه تهراقان .

(271) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا أصبغ عن ابن وهب أخبرني عمر بن الحارث عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه فوجده في غاشية فقال قد قضى فقالوا لا يا رسول الله فبكا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بكوا فقال ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . صحيح

(272) - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد نا محمد بن عيسى نا إبراهيم بن محمد بن سفيان نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال زار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكرة الآخرة . صحيح

(273) - أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد النعيمي أنا محمد بن يوسف نا محمد بن إسماعيل نا محمد بن سنان نا فليح بن سليمان نا هلال بن علي عن أنس قال شهدنا ابنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان فقال هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة فقال أبو طلحة أنا قال فانزل في قبرها فنزل في قبرها . صحيح

(274) - أخبرنا عبد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb